الصوت اللي طالع من السبيكر خلي الدم يتجمد في عروقنا كلنا. حسام بصلي وهو مش مصدق، والشيخ عبد التواب وقف فجأة وقال بصرامة: “الأذى رد عليها! لما الفك حصل والشر ارتد لفاعله، الشيطان اللي استعانت بيه انقلب عليها.. لازم نتحرك فورًا قبل ما تعمل في ولاد أخوك!” جوز أختي وحسام والشيخ جريوا على بره، وأمي مسكتني وقالتلي: “خليكي مع عيالك يا بنتي، ادخلي اقفلي علي نفسك واقري قرآن.” بس رجلي ما شالتنيش، كنت مرعوبة على الولاد الصغار، ولاد أخو حسام مالهمش ذنب في الغل والحقد اللي ملأ قلب أمهم. وصلوا شقة أخو حسام اللي في العمارة المجاورة، وأنا وأمي وراهم بنجري. الشارع كله كان متجمع تحت العمارة بسبب صوت الصريخ والدخان المكتوم اللي طالع من شباك الأوضة الجوانية. أخو حسام كان واقف عند باب الشقة بيضرب كف بكف ودموعه نازلة، بيحاول يكسر باب الأوضة المقفول بمفتاح من جوه، والصوت من ورا الباب كان يرعب.. صوت سلفتي وهي بتضحك بكهكهة حادة ومش طبيعية، وصوت عيالها بيبكوا وبيصرخوا: “يا بابا الحقنا! ماما بتولع في الكتب والهدوم ومسكت !” الشيخ عبد التواب قرب من الباب وقال لحسام وجوز أختي وأخوه: “اسموا الله واكسروا الباب فورًا، مافيش وقت!” بثلاث ضربات قوية من كتافهم، الباب اتكسر وطار لجوه. المشهد اللي جوة الأوضة كان زي كابوس مظلم. النار كانت مساكة في كومة هدوم وكتب في نص الأوضة، والدخان مالي المكان. سلفتي كانت واقفة في الزاوية، شعرها منكوش، عينيها برّاقة بطريقة تخوف، وماسكة في إيدها سكينة مطبخ صغيرة، وعيالها الاثنين محشورين وراها تحت السرير بيبكوا من الرعب. أول ما شافتنا دخلنا، ضحكت ضحكة عالية وقالت بصوت متضارب ومختلف عن صوتها الحقيقي: “فاكرين إنكم فكيتوها؟! فاكرين إنكم خلصتم؟! أنا قلتلها لسه مشوفتيش حاجة! البيت ده مش هيعمر، والعيال دول مش هيكبروا!” الشيخ عبد التواب ما ترددش لحظة. بدأ يقرأ آية الكرسي وسورة الفلق بصوت جهوري يزلزل المكان، وتقدم ناحيتها بخطوات ثابتة وهو يرفع إيده بالدعاء. أول ما صوت القرآن ملأ الأوضة، سلفتي صرخت صرخة مكتومة وحطت إيديها على ودنها، وقعت من إيدها على الأرض. وجسمها بدأ يتنفض بطريقة هستيرية، ورجليها اتثبتت في الأرض كأنها مش قادرة تتحرك. في اللحظة دي، حسام وجوز أختي جرا بسرعة وسحبوا العيال من تحت السرير وطلعوهم بره الأوضة للتنفس، وأخو حسام جاب جردل مية وطفا النار اللي كانت بدأت تمسك في السجادة. الشيخ فضل يقرأ ويبص في عينها بثبات، لحد ما وقعت على ركبها على الأرض، وبدأت تبكي أخو حسام قعد جنبها على الأرض وهو مصدوم ومشهود، مسكها من كتفها وقال بدموع: “عملتي إيه يا شيماء؟! إيه اللي وصلك لكده؟! إحنا قصرنا معاكي في إيه؟!” رفعت رأسها وبصتلي أنا بالذات، وسط دموعها ونفسها العالي، وقالت بنبرة مليانة حسرة وغل في نفس الوقت: “عشان كانت أحسن مني في كل حاجة! من يوم ما دخلت العيلة وهي كل الناس بتحبها.. جوزها بيحبها، وعيالها مؤدبين وبيدرسوا وبيفهموا.. وأنا عيالي بيضيعوا مني وأنا مش عارفة أسيطر عليهم! لما شفتها قاعدة مع ولادها بتضحك وبتذاكر بكل راحة، الغل أكل قلبي.. قلت ليه هي عندها كل ده وأنا لأ؟! ليه بيتها هادي وأنا بيتي نكد؟!” الكلمات طلعت منها زي السم، الكل كان واقف ساكت ومصدوم من كمية الكراهية اللي كانت كاتماها جوة قلبها تحت ماسك الابتسامة والطيبة. أخو حسام بص لها بنظرة خيبة أمل وقرف، وقال بصوت حاسم: “إنتِ مش بس آذيتي مرات أخويا ودمرتي بيتها.. إنتِ كنتِ هتقتلي عيالك وتولعي فينا! إنتِ مابقاش ليكي مكان في ذمتي ولا في البيت ده.. إنتِ طالق!” وقع الكلام عليها زي الصاعقة، فضلت تبص لحولين منها بذهول، والشيخ عبد التواب طلب من أخوه يسفرها لأهلها فورًا عشان يكملوا علاجها بالقرآن، لأن الشر اللي استدعته ارتد عليها ودمر نفسيتها. رجعت شقتي أنا وحسام، والبيت كان ساكت تمامًا. العيال طلعوا من أوضتهم وجروا على حضني، وبقيت أحضنهم وأبكي.. مش من الزعل، لكن من الفرجة اللي ربنا فرجها علينا. حسام قعد على ركبه قدامي، مسك إيدي وجبهتي وقال ودموعه مغرقة وشه: “أنا آسف يا أم إبراهيم.. آسف إن صدقت الظنون، وآسف إن سيبتك تشيلي كل الوجع ده لوحدك.. سامحيني.” مسحت دموعه وقلتله: “المهم إن ربنا كشف المستور وحمانا.” عدت أيام، والبيت بدأ يسترد أنفاسه بالتدريج. قراءة سورة البقرة ما قطعتش من البيت، والمية بالملح رشيتها في كل ركن. لكن النهاردة، وبعد أسبوعين من الأحداث دي، حسام جالي وهو شايل جواب جاله على الموبايل رسالة غريبة من رقم مجهول. فتحت الرسالة، وكان مكتوب فيها: “فاكرين إن الطلاق والمشي هينهي الموضوع؟ شيماء راحت عند أهلها في الصعيد.. وهناك عيلتها مش هيسيبوا حقها بعد اللي حصلها بسببكم.. انتظروا اللي جاي.” الرسالة كانت زي طعنة جديدة في ظهر الهدوء اللي بدأ يدخل بيتنا. إيدي كانت بتترعش وأنا ماسكة الموبايل، وحسام عينيه كانت بتطلع شرار من الغضب والذهول. “الصعيد؟!” حسام قالها وهو بيمشي في الصالة جيّة وذهاب زي الأسدر المجروح. “أهل شيماء ناس صعيدة وشادين جدًا في العرف والعادات.. وهما أكيد مش عارفين الحقيقة! هي هناك دلوقتي رايحة لهم بصورة الضحية.. المظلومة اللي اتطردت من بيت جوزها واترمت هي وعيالها، وأكيد حكت لهم قصة من خيالها المريض عشان تقومهم علينا!” مسكت إيده وأنا خايفة: “يا حسام، دول ممكن يعملوا إيه؟ الرسالة دي تهديد صريح.. هما فاكرين إننا ظلمناها وجينا عليها!” في نفس الليلة، حسام اتصل بأخوه الكبير (جوز شيماء السابق). أخوه كان صوته مكسور ومهموم، وقال له: “يا حسام، أنا جالي اتصال من كبار عيلتها في القرية هناك.. الراجل الكبير بتاعهم كلمني بصوت ناشف وقاللي إن بنتهم رجعت لهم مكسورة الخاطر، ودماغها تعبانة، وتقول إننا اتهمناها بالباطل ورميناها في الشارع وضربناها! وهما مش هيسكتوا، وميعادهم معانا أسبوع واحد بس.. نازلين القليوبية بحافلة من كبار العيلة عشان ‘يصفوا الحسابات’ ويطالبوا بحقها، يا إما بالقعدة العرفية، يا إما بالدم!” الكلمة خلت قلبي يقف.. “بالدم!” الموضوع مبقاش مجرد سحر وحسد ومشاكل ستات، الموضوع تحول لطار وخناقة عائلية كبيرة ممكن تروح فيها أرواح. الأسبوع ده تعدى علينا زي الكابوس. النوم طار من عينيا، وكل ما صوت الباب يرن أو أسمع حركة في الشارع، أتحزم برعشة وأجري أطمن على العيال. إبراهيم وإخواته حسوا بالخوف اللي في البيت، وكانوا يقعدوا حنبي ساكتين، يمسكوا في هدومي وكأنهم خايفين أختفي من قدامهم. حسام ما قعدش ساكت، جمع كبار عيلتنا وأبويا وجوز أختي، وقعدوا يرتبوا للقعدة العرفية. الشيخ عبد التواب جالي البيت تاني وقال لحسام: “الحقيقة هي سلاحكم الوحيد.. بس أهلها جايين بنار الغضب، والشيطان هيحاول يستغل غضبهم عشان يكمل الدمار اللي شيماء بدأته. لازم تتوكلوا على الله وتجهزوا دلائلكم.” وجاء اليوم الموعود.. يوم الجمعة بعد الصلاة، الشارع عندنا اتحول لساحة ترقب. ثلاث عربيات دفع رباعي نزل منها رجال بجلابيب صعيدي ووجوه حادة ومظلمة، يتقدمهم شيخ كبير في السن، ذو هيبة وشرار يبص من عينيه، وهو خال شيماء والكبير بتاعهم. المجلس اتعقد في دوار العيلة عندنا. المكان كان مليان على آخره.. رجال عيلتنا قبالة رجال عيلتها، والجو كان مشحون بالتوتر لدرجة إن الهواء كان يحترق. أنا وأمي أصرين نكون قاعدين في أوضة قريبة بنسمع كل كلمة من ورا الشباك والملاية المتدارية، وبندعي ربنا بالستر. بدأ خال شيماء الكلام بصوت زي الرعد، ضرب عصايته الأبنوس في الأرض وقال: “إحنا ناس بنعرف الأصول، وما بنسيبش حق بانتنا! بنتنا جتنا مكسورة، عقلها رايح، وتقول إنكم رميتوها بالسحر والحسد وطردتوها من بيتها بعد ما جوزها طلقها وظلمها! إحنا جايين هنا نعرف.. إيه اللي جرى لبنتنا؟ وإيه التهمة الباطلة دي اللي ترموها بيها؟! لو ما أثبتوش كلامكم بالدليل القاطع، يبقى شرف بنتنا وحقها برقابكم كلكم!” الهدوء ساد الدوار، والكل بص لحسام وأخوه. قام أخو حسام وقف، وصوته كان مليان حزن وأسى، وقال: “يا حاج.. إحنا نكن لكم ولعيلتكم كل احترام، وعمرنا ما جينا على ولاد الأصول. بس بنتكم شيماء هي اللي بتبدأ بالشر، وهي اللي جابت الخراب لبيتي وبيتك أخويا!” خالها اتعصب ووقف: “كلام مرسل! هاتي الدليل! إنتوا تهمتوها بالدعم والسحر والتخريب.. فين الإثبات؟ ولا هي كلمة حريم وخلاص؟!” في اللحظة دي، حسام وقف وطلع من جيبه كيس قماش أبيض، وحطه في نص المجلس. وجاب الموبايل بتاعه ووصله بسماعة صوت كبيرة كان مجهزها. حسام قال بثبات: “يا حاج.. التسجيلات اللي على الموبايل دي بصوت بنتكم، والورقة اللي جوه الكيس دي بخط إيدها لقيناها في كتب عيالي.. والتسجيل الأخير ده كان المكالمة اللي هي اتصلت بيها بمراتي وشمتت فيها وقالتلها بلسانها إنها سقتها حاجة وإن الطلاق هيحصل بالليل!” شغل حسام الصوت.. صوت شيماء ملأ الدوار كلياته، وهي بتضحك بكهكهة الشر وتقول: “إيه يا حبيبتي؟ سمعت إن حسام ساب البيت؟ مش قلتلك يا أم إبراهيم إنتِ لسه مشوفتيش حاجة؟ الكيس ده كان تسخين.. الحاجة الثقيلة إنتِ شربتيها بإيدك!” الصوت نزل على رجال الصعيد زي الصاعقة. وجه خالها اتغير ولونه أصفر، وجلس في مكانه ببطء وهو مش مصدق اللي بيسمعه. رجال عيلتها بدأوا يبصوا لبعض بذهول وصدمة. كمل حسام وشغل تسجيل تاني.. مكالمة أخوه لما اتصل بيه بالليل وهو بيبكي وبيقول إنها قفلت الأوضة وولعت نار في الهدوم والكتب وكانت هتقتل ولادها بالسكينة! حسام بص لخالها وقال بدفعة وجع: “بنتكم ما اترماتش يا حاج.. بنتكم الشياطين لعبت بدماغها بسبب الغل والحقد، وكانت هتطير أرواح عيالها الصغار بغير ذنب! إحنا ما ظلمناهاش.. هي اللي ظلمت نفسها ودمرت بيتها بكتفها!” السكوت كان يقطع بالسكين في المكان. خال شيماء حط إيده على وشه وقعد فترة طويلة ساكت. أخيراً رفع رأسه، وعينيه كانت مليانة خيبة أمل وقهر، وقال بنبرة مكسورة: “أعوذ بالله من الرجيم.. أعوذ بالله من شر النفوس.” وقف الخال ومسك عصايته، وبص لحسام ولأخوه وقال: “حقكم علينا.. إحنا ناس بنعرف الحق، والحق أحق أن يتبع. بنتنا طلعت مريضة بالغل والشر، وأذتكم وأذت عيالها قبل ما تأذيكم. إحنا بنعتذر لكم قدام كل الرجال دول، وبنتنا مالهاش رجعة للبيت ده، وحقكم في رقبتنا.” حسام قرب منه وباس رأسه وقال: “إحنا مش عايزين غير إن كل واحد يروح لحاله، وهي تروح تتعالج وتبعد عن طريقنا.” وانتهت القعدة العرفية بالصلح والتراجع، وجات الإغاثة من ربنا وكشف الحقيقة قدام أهلها. بعد ما هديت الأمور ومرت أيام، والبيت بدأ يرجع لطبيعته، وكنت قاعدة في الصالة بذاكر لإبراهيم وأخوه على نفس الطبليّة، والضحكة بدأت ترجع لوشوشنا من تاني.. رن تليفون حسام. كان المتصل هو الشيخ عبد التواب. حسام فتح السبيكر، والشيخ عبد التواب قال بنبرة قلقة وجادة جداً: “يا حسام.. أنا جايلك في الطريق فوراً. أنا كنت بقرأ على البيت بتاع أخوك عشان أطهره، ولقيت حاجة دفناها شيماء تحت بلاطة المطبخ قبل ما تمشي.. حاجة مش مخصصة ليك ولا لمراتك بس.. دي حاجة مخصصة للبيت كله، ولو ما اتفكتش قبل الفجر، الكارثة الحقيقية هتبدأ!”