حكايات بسمه 2
جوزي كنسل المكالمة وإيده بتترعش، وبص لحماتي بنظرة كلها لوم وعتاب.
حماتي رفعت راسها وقالت بصوت مرعوب:
— هو.. هو اللي بيتصل؟ عرف منين؟
جوزي رد بصوت واطي ومخنوق:
— معرفش.. بس هو أكيد عرف إن الكيس اتقلب، طالما اتصل في التوقيت ده بالذات يبقى عرف.
أنا ما قدرتش أستحمل أكتر من كده، طلعت الورقة والمفتاح من جيب عبايتي وحطيتهم على الترابيزة قدامهم بكل قوة وقلت:
— لحد هنا وبس! الورقة دي مكتوب فيها اسمي واسمك بدم أو بحاجة شبه الدم، ومعاها المفتاح ده. وأخوك اللي المفروض مقطوع أخبارة بيتصل دلوقتي! فيه إيه؟ المفتاح ده بتاع إيه؟ وأخوك ماله ومال بيتي وحياتي؟
حماتي أول ما شافت المفتاح والورقة شهقت وحطت إيدها على قلبها، وجوزي هجم على الترابيزة وأخد المفتاح والورقة بسرعة وحطهم في جيبه وكأنه بيخبي سر خطير.
بصلي وقال وعيونه مليانة رجاء وخوف:
— هند.. أنا مش هخبي عليكي أكتر من كده، بس أرجوكي اهدى. المفتاح ده بتاع شقة أخويا القديمة المقفولة من سنتين.. الشقة اللي في الدور الأرضي في بيتنا القديم.
حماتي كملت وهي بتبكي:
— أخوك لما سافر يا هند، ما سافرش بإرادته.. سافر وهربان من مصيبة. وقبل ما يمشي، ساب أمانة في الشقة دي، وحلف إن محدش يدخلها. الصبح لقيت مكالمة منه بيهددني وبيقولي إن الأمانة دي لازم تخرج من الشقة وتروح لبيتك إنتِ بالذات، وتتحط في الفريزر عندك من غير ما جوزك يعرف.. ولما سألته ليه، قال إن ده المكان الوحيد اللي أعداءه مش هيدوروا فيه..
قاطعتها وأنا مش مصدقة:
— وتقومي تعملي اللفة دي كلها؟ وتخلي سلفتي تجيبها في كيس لحمة؟ وليه أخوه قلب الدنيا لما شاف الكيس؟
جوزي بص للأرض وقال:
— لأن الكيس اللي أمي خدت منه المفتاح والورقة.. ما كانش فيه لحمة بس يا هند. أخويا كان مخبي مع المفتاح حاجة تانية خالص.. حاجة تخص ناس كبار، وأمي لما نقلت المفتاح والورقة وسط اللحمة، ما خدتش بالها إنها نقلت معاهم الخيط اللي بيوصل للسر كله. وأنا أول ما شفت الكيس، عرفت ريحة اللحمة دي.. دي مش لحمة عادية، دي كانت طريقة أخويا في التمويه..
وفجأة، الباب اتخبط تاني.. بس المرة دي ما كانش رزع.. كان خبطات منتظمة وهادية جداً، خبطات ترعب أكتر من الرزع.
كلنا سكتنا، والأنفاس اتكتمت في الشقة.
جوزي قرب من الباب وبص من العين السحرية، وشفته بيرجع لورا وبيمسك المفتاح والورقة في جيبه بقوة، ووشه بقى أبيض زي الورقة. التفت لينا وهمس بصوت يرعب:
— مش أخويا اللي على الباب.. دول الناس اللي أخويا هربان منهم.. وعرفوا مكان المفتاح!
الأنفاس كلها اتكتمت في الصالة، وصوت دقات قلبي بقى مسموع زي الطبل. الخبطات الهادية المنتظمة على الباب كانت بتنزل على أعصابنا زي المطارق. جوزي كان واقف متثبت مكانه، ظهره ساند على الحيطة اللي جنب الباب، وإيده لسه جوه جيبه قفشة على المفتاح والورقة كأنه بيحمي روحه.
حماتي بدأت شفايفها تترعش وتتمتم بآيات قرآنية بصوت واطي ومبحوح، ودموعها نازلة بغزارة وهي باصة للباب برعب عمري ما شفته في عيونها قبل كده.
قربت من جوزي خطوتين وهمست بصوت مرعوب بس حاد:
— هنعمل إيه؟ مين دول؟ وازاي عرفوا الطريق هنا بالسرعة دي؟
جوزي شاورلي بإيده عشان أسكت تماماً، وعيونه كانت بتتحرك في الصالة يمين وشمال كأنه بيدور على مخرج أو طريقة يداري بيها المصيبة اللي إحنا فيها. وفجأة.. الخبط وقف.
سكون تام ساد الشقة لثواني كانت أطول من سنين. افتكرنا إنهم مشيوا، لكن فجأة تليفون جوزي اللي في جيبه نور واهتز تاني. المرة دي ما كانش أخوه.. الرقم كان غريب، رقم دولي مكون من أرقام كتير غير منتظمة.
جوزي بص للشاشة ورعشته زادت، فتح الخط وحط التليفون على ودنه من غير ما ينطق ولا كلمة. أنا قربت منه عشان أسمع، والصوت كان واضح في هدوء الشقة المريب.. كان صوت راجل غليظ وبارد جداً، بيتكلم ببطء شديد وبلهجة غريبة:
— “المفتاح والورقة اللي في جيبك يا بطل.. افتح الباب وسلمهم بالذوق، بدل ما ندخل ناخدهم وإنتوا جوا، والشقة دي مش هتستحمل اللي هنعمله. أخوك باع ناس ما تتباعش، واللحمة اللي أمك استلمتها كانت مجرد قرصة ودن.. افتح.”
الخط قطع. جوزي نزّل إيده والتليفون وقع منه على الأرض. بص لحماتي وقال بصوت فاقد الأمل:
— اللحمة.. اللحمة اللي أخويا بعتها مع المفتاح.. ما كانتش لحمة مواشي يا أمي.. أخويا وقع مع مافيا أعضاء وتجارة تقيلة.. والظاهر إنه سرق منهم حاجة تخص خزنتهم وساب المفتاح والورقة دليلاً عشان يضمن حياته.. هما صفوه برة وجايين ياخدوا الدفن اللي هنا.
حماتي صرخت ودموعها اتحولت لعويل مكتوم:
— يا مصيبتي! يا خراب بيتي! يا ابني يا حبيبي.. ضيعت نفسك وضيعتنا معاك!
أنا حسيت إن الدنيا بتلف بيا. بيتي وأمني وحياتي البسيطة فجأة اتقلبت لكابوس مرعب بسبب سر ماليش أي ذنب فيه. بصيت لجوزي وقلت له بغضب ممزوج بالرعب:
— ارميلهم الزفت ده من الباب! خليهم يغوروا وياخدوا اللي عايزينه! إحنا مالنا ومال القرف ده؟!
جوزي بصلي وعيونه مليانة دموع لأول مرة أشوفها:
— لو خدوهم يا هند، مش هيسيبونا عايشين.. الورقة دي فيها العقد المكتوب بدم أخويا والأسماء الكبيرة اللي مشغلاهم.. لو الورقة دي وقعت في إيديهم، هيمسحوا أي حد شافها أو عرف طريقها من على وش الأرض عشان يداروا على نفسهم.. إحنا ميتين في الحالتين لو سلمناهم.
وفي اللحظة دي، سمعنا صوت خروشة غريبة برة الباب.. صوت آلة حادة بتدخل في كالون الباب ببطء وبحرفية. كانوا بيفتحوا الباب بنفسهم!
جوزي اتقدم بسرعة رهيبة وزق ترابيزة الصالة التقيلة وسندها ورا الباب، ونادي عليا وعلى حماتي بصوت مخنوق:
— هند! خدي أمي وادخلوا الأوضة وجروا الدولاب ورا الباب.. بسرعة!
حماتي ما كانتش قادرة تقف على رجلها، مسكتها من إيدها وبقيت أجرها ورايا وأنا حاسة إن رجلي خشب. دخلنا أوضة النوم، وقفلت الباب الخشب وبكل قوتي وقوة الرعب اللي جوايا بدأت أزق الكومودينو والتسريحة ورا الباب عشان أعمل ساتر.
من ورا الباب، بدأت أسمع صوت رزع عنيف جداً على باب الشقة البراني.. الخشب كان بيزيق وبيتكسر تحت ضرباتهم. وجوزي كان برة بيصرخ فيهم ويبتزهم إنه هيحرق الورقة لو دخلوا.
وفجأة.. سمعت صوت تكسير زجاج قوي جاي من بلكونة الصالة.. هما ما كانوش داخلين من الباب بس، دول كانوا بيحاصروا الشقة من كل حتة!
حماتي قعدت في الأرض وضمت رجليها لصدورها وهي بتترعش، وأنا وقفت ورا باب الأوضة ماسكة مقص قديم كان على التسريحة، وإيدي بتترعش وعيوني على أكره الباب اللي بدأت تتحرك ببطء.. وفجأة سمعت صوت جوزي بيصرخ صرخة مكتومة.. وبعدها ساد هدوء قاتل في الشقة كلها.
بدأت أكرة الباب تتحرك ببطء.. والهدوء القاتل اللي ساد الشقة كان بيرعب أكتر من صوت التكسير. حماتي كانت كاتمة نفسها وبتدعي تحت السرير وهي بتترعش، وأنا واقفة ورا الباب ماسكة المقص وبموت في كل ثانية بتعدي.
وفجأة.. سمعت صوت خطوات تقيلة بتقرب من باب الأوضة، ويليه صوت جوزي وهو بيتكلم بصوت متقطع وضعيف:
— هند.. افتحي الباب.. خلاص.
فتحت الباب ببطء ورعب.. لقيت جوزي واقف، وشه مليان كدمات وفي جرح بينزف عند جبهته، وجنبه راجل غريب لابس بدلة سودا ونظارة، ماسك في إيده تليفون وجهاز لاسلكي.
قبل ما أصرخ، الراجل تراجع خطوتين وبص لجوزي وقال بنبرة حاسمة:
— إحنا أمّنا المكان بالكامل، ورجالتنا قبضوا على الاتنين اللي حاولوا يقتحموا الشقة من الباب والبلكونة. العقد والمفتاح دلوقتي في حرز النيابة.
أنا وقفت مذهولة مش فاهمة حاجة.. حماتي طلعت من تحت السرير وهي بتنهج. جوزي سحل نفسه وقعد على الكرسي وهو بياخد نفسه بالعافية وقاللي:
— هند.. الراجل ده من جهة سيادية.. أخويا ما كانش مجرم ولا هربان زي ما كنا فاكرين.. أخويا كان شغال مع الأجهزة دي عشان يوقع بشبكة دولية كبيرة لتجارة الأعضاء والتهريب.. وكان مأمن نفسه بالعقد ده اللي فيه كل الأسماء الكبيرة.
الراجل المسؤول كمل الكلام:
— أخوكي يا فندم بطل، والشبكة دي لما حست إنها بتكشف، حاولت تصفيه برة، لكنه قدر يهرب ويوصل العقد والمفتاح لوالدته بطريقة سرية عشان يسلمهم لينا.. والاتصال اللي جالك على تليفون جوزك من شوية ما كانش من العصابة، العصابة كانت برة الباب بتخبط، لكن المكالمة والتهديد كانوا من شخص خاين جوه جهاز الأمن كان بيحاول يخوفكم عشان تدوه الورق قبل ما إحنا نوصل.. وإحنا رصدنا المكالمة وعرفنا مكانه وقبضنا عليه.. وأخوكم دلوقتي في مكان آمن وتحت حمايتنا.
حماتي أول ما سمعت إن ابنها عايش وبطل، سجدت في الأرض وبكت بكاء هستيري من الفرحة والراحة بعد الرعب اللي عاشته. جوزي قرب مني ومسك إيدي واعتذر لي عن كل لحظة رعب عيشتها بسببه وبسبب السر ده.
الراجل المسؤول أخد الحرز، والشرطة أمنوا العمارة والشارع بالكامل، وبعد ساعات طويلة من التحقيقات والشهادة، رجع الهدوء أخيراً لبيتنا الصغير.. بس المرة دي، هدوء حقيقي مفيش وراه أي خوف.
### الحكمة من القصة:
> **”ليس كل ما يبدو غامضاً أو مخيفاً وراؤه شر.. فالأقدار تخبئ أحياناً الحقائق وراء ستار من الابتلاء لتكشف لنا معادن الناس.”**
> في هذه الحياة، العجلة في الحكم على المواقف قد تقودنا للظن السوء، لكن الأمانة، والصبر في الأوقات العصيبة، والوقوف بجانب العائلة حتى في أحلك الظروف، هو ما ينقذ السفينة من الغرق. والأسرار مهما طال دفنها، فإن الحق دائماً يجد طريقه إلى النور.
>
