كانت خطيبتي تعانى من رهاب الحشرات

وأنا حاسس إن جسمي كله اتخشب. زدت السرعة أكتر، والعربية بقت تطير على الطريق المقفر.
بعد نص ساعة تقريبًا، بدأنا ندخل في شوارع القرية القديمة. الشوارع كانت ضيقة، والبيوت معظمها مبني بالطين أو مهجور، ومفيش ولا عمود نور شغال. المكان كان شبه مېت، وصوت الكلاب الضالة في البعيد كان بيزود الړعب رعبين.
البيت المهجور
وقفنا العربية على مشارف الشارع الضيق. البيت القديم كان قابع في نهاية الزقاق، بيت دورين من الطوب الأحمر القديم، السقف بتاعه متكسر، والشبابيك خشبها مأكول ومخلوع. كان شكله زي المقپرة المهجورة وسط النخيل المېت.
نزلنا من العربية بسرعة. عمي مجدي كان بيترجل بعبايته، وأم سها مسكت في دراعي وهي بتتنفض.
إبراهيم… بالراحة يا ابني… بالراحة عشان ما نتخضش.
طلعت كشاف الموبايل وشغلته، الضوء الأزرق الشاحب ضړب في واجهة البيت. الباب الحديدي الخارجي كان مفتوح على بحري، وسلسلة الصدأ المکسورة ملقية على الأرض.
سها… سها دخلت جوه!
همست بالكلمة دي وأنا بلع بلعي بالعافية. مشينا بخطوات بطيئة وساكتة جدًا ناحية الباب. الريحة جوه البيت كانت عبارة عن تراب قديم، ورطوبة، وريحة قش مبلول وعفن… ريحة السنين اللي اتدفنت هنا.
دخلنا الصالة الكبيرة، وكانت أرضيتها مليانة كراكيب، خشب متكسر، وصفائح سمنة قديمة مصدية. الضوء بتاع كشافي كان بيتحرك على الحوائط المشققة اللي كانت مليانة بيوت عنكبوت.
فجأة… سمعنا الصوت.
صوت نشيج واطي… صوت طفلة صغيرة بټعيط بحشرجة مكتومة، كأن حد حاطط إيده على بقها.
الصوت كان جاي من تحت… من البدروم!
الهبوط إلى القاع
عمي مجدي مسك إيدي بقوة، وعينيه مليانة دموع وړعب
البدروم يا إبراهيم… هي هناك!
مشينا بالراحة ناحية السلم النازل للبدروم. السلم كان عبارة عن درجات إدشاش متكسرة ومكشوفة، ملوش درابزين، وكل خطوة عليه كانت بتعمل صوت فحيح زي التعابين.
نزلت أول درجة… وبعدين الثانية… الضوء بتاع الكشاف بدأ يكشف مدخل البدروم.
البدروم كان عبارة عن أوضة واسعة تحت الأرض، ملهاش أي شبابيك ولا منفذ للنور. السقف كان واطي جداً، وفي الزاوية البعيدة تماماً، تحت العروق الخشبية المصاپة بالعفن… كانت سها.
كانت قاعدة على الأرض، ضامة ركبتها لصدرها، وحاطة إيديها الاثنين على أذانها بضغط رهيب. العباية البيضاء بتاعتها بقت متسخة بالتراب والزيت الأسود، وشعرها كان نازل على وشها بطريقة تخوف. كانت بترتعش زي ورقة شجر في مهب الريح، وبتهز جسمها قدام وورا وهي بتهمس بكلمات مش مفهومة
شيلوه من عليا… طلعوه بره… الضلمة بتاكلني… يا بابا تعال… طلعوه بره…
المنظر كسر قلبي لألف حتة. الصورة كانت مرعبة بدرجة تعجز الألفاظ عن وصفها. البنت اللي كانت مبارح بتضحك ولابسة أشيك هدوم، وبنتخطط لفرحنا وشقتنا، أهي قدامي دلوقتي زي الچثة الهامدة المترامية في ژبالة الماضي.
أمها جيت تجري عليها وهي بتصرخ
سها! يا بنيتي!
مسكتها بسرعة ومنعتها
لا يا طنط! الدكتور قال بلاش اندفاع! استني هنا أنتِ وعمي مجدي… سيبوني أنا أدخل لها الأول.
عمي مجدي بصلي بړعب
يا إبراهيم… هي ممكن ما تعرفكش! ممكن تشوفك أنت السبب!
أنا السبب فعلاً يا عمي… وعشان كده أنا اللي لازم أصلح ده، حتى لو هي ضړبتني أو رفضتني.
المواجهة في الضلمة
أخدت نفس عميق، ونزلت بقية درجات السلم بخطوات هادية جدًا. طفيت كشاف الموبايل المباشر، ووجهته للنص تحت الأرض عشان الضوء ما يضربش في عينيها فجأة ويكهربها.
خطوت خطوة… ووراها خطوة… الأرضية كانت تحت رجلي بتعمل


