بابا قبل جوازي حكايات اماني السيد ٤

استمر العمل والتجهيز على قدم وساق للوصول إلى النتيجة المرجوة، حيث شهدت هذه المرحلة تكثيفاً كبيراً في الجهود والتركيز على أدق التفاصيل لضمان تحقيق أفضل أداء ممكن. تم استعراض كافة الخيارات المتاحة ودراسة الأبعاد المختلفة بعناية، مما أسهم في تذليل العقبات وتجاوز العديد من التحديات التي ظهرت خلال مسار العمل.
علاوة على ذلك، ساهم التعاون المثمر والالتزام المتواصل في إحداث تقدم ملموس، حيث وُضعت الخطط الخطوة تلو الأخرى للوصول إلى المرحلة النهائية بمهنية عالية. وقد انعكس هذا المجهود بشكل واضح على سير العمل، مما هيأ الأرضية المناسبة للانتقال السلس والمباشر إلى الخاتمة والنتائج النهائية.
الفصل الأخير والحكمة
مرت ستة أشهر على ذلك اليوم الفاصل في مكتب المحامي، ستة أشهر كانت كفيلة بإعادة ترتيب كل أحجار الشطرنج في حياتي.
تلك الليلة التي خرجت فيها من مكتب الأستاذ مجدي وأنا أحمل حريتي وفلوس دهبي وحق أبا يرحمه، كانت هي الليلة الأولى التي نِمْتُ فيها ملء جفوني، دون أن أستيقظ على كابوس الظلم أو حسرة الشقاء المهدور.
رجعت إلى بيت أبا، الشقة الصغرى التي طالما شهدت على كفاحه العرق والكدح الحلال. فتحت شبابيكها للنور وللشمس، وقررت أن أبدأ مرحلة جديدة لا مكان فيها للضعف أو التردد. استغليت كل جنيه من قيمة الدهب التي استرددتها، وبدأت أوسع مشروعي الخاص. تحولت الشقة من مجرد مكان صغير للخياطة إلى أتيليه صغير متكامل. اشتريت مكن خياطة أحدث، وتطريز حديث، واستعنت بفتاتين من بنات المنطقة الشقيانات عشان يساعدوني في التفصيل بعد ما زاد الإقبال عليا من كل مكان.
الخبر انتشر في المنطقة كالنار في الهشيم؛ القصة لم تكن مجرد خياطة استردت دهبها، بل كانت قصة امرأة رفضت الاستسلام، وأخذت حقها بالذكاء والقانون والأصول دون أن تلوث يديها أو تفرط في كرامتها. زبايني تضاعفوا، والطلب على شغلي بقى بيجيلي من أطراف المدينة، والقرش اللي كنت بشقى عشان أحوشه، بقيت بشوف بركته بتزيد وتتضاعف في إيديا، تحقيقًا لوصية أبا التي طالما حفرتها في قلبي: “عايزك تزوديهم مش تنقصيهم”.
أما عن إبراهيم وحماتي…
العدالة الإلهية أسرع بكثير مما يتخيل أي إنسان. إبراهيم لم يخسرني فقط؛ بل خسر ذاته وصورته المزيفة التي طالما حاول أن يجملها أمام الناس. بعدما دفع ثمن الدهب كاملاً لأمي من أصل دفتر توفيرها وتنازل لها عن نصيبه في الشقة، أصبح يعيش في كسر نفسي ومادي لا يُطاق. أسرته وعيلته التي كان يتفشخر أمامهم بـ “البر والتضحية” أصبحوا ينظرون إليه بنظرة احتقار وخزي؛ فالجميع عرف أن بطولته المزيفة كانت مسروقة من عرق امرأة شقيانة تحت مكنة الخياطة.
أما حماتي، فلم تستطع أن تتمتع بعفشها الجديد ولا ببيتها المجدد. كانت كل قطعة أثاث في شقتها تذكرها بالذنب والفضيحة، وبأن حجة بيت الله التي تمنتها شيبت بسبب تصرف ابنها الأرعن واستغلاله لمال مغصوب. كانت تجلس في صالتها الجديدة والندم يأكل قلبها، وحسرتها على خراب بيت ابنها وفضيحته بين أقاربه تجعلها تتمنى لو أنها لم تطلب منه مليمًا واحدًا.
وفي يوم من الأيام، وأنا واقفة في الأتيليه وسط القماش والمعدات وبنات ورشتي شغالات، سمعت خبطًا خفيفًا على الباب. فتحت، فوجدت إبراهيم يقف على العتبة.
كان يبدو كأنه كبر عشر سنوات في أشهر معدودة. وجهه شاحب، ملابسه غير مرتبة، وفي عينيه انكسار كامل خالي من أي ذرة غرور.
وقف يتأملني، يتأمل الأتيليه المنظم، والنجاح الذي حققته بمفردي دون حاجتي إليه. قال بصوت خفيض ومهزوم:
“إزيك يا بنت الأصول…”
رددت ببرود وهدوء تام، وأنا أقف على عتبة بيتي وكرامتي:
“أهلاً يا إبراهيم.. خير؟ في حاجة نسيتها في الأوراق ولا في شغل؟”




