بابا قبل جوازي حكايات اماني السيد ٤

ضحك الرجل ضحكة خفيفة منخفضة الصوت، تخللتها سعلة جافة تشبه حركة الرمال المتحركة:
“كنتُ أعلم أن سليم لن يستطيع منعك. سليم رجل ضعيف، اعتقد أن السلام يُشترى بالجبن والتكتّم. استريح يا يونس، فأنت لم تأتِ لقتلي، بل أتيت لتعرف من أنت بحق.”
خطا يونس خطوة إلى الأمام حتى أضاء السراج جزءاً من وجه الرجل. كانت الملامح مشوهة بندبة قديمة تمتد من جبهته حتى فكه الأيسر، عين حادة وأخرى غائمة لا بصر فيها.
قال الرجل وهو يشير بيده نحو الكرسي المقابل:
“الرسائل التي بين يديك لم يكتبها والدموع في عينيه من الندم.. كاتبها كان يبحث عن واريث حقيقي ليسترد ما منه. والدك لم يمت في حادث كما أخبروك، ووالدتك لم ترحل بسبب المرض. الشحنة التي اختفت قبل ثلاثين عاماً، والذهب الذي أُخفي تحت هذا البيت، لم يكن ملكاً للشيخ سليم ولا لأهل القرية.. كان ملكاً لمن حفروا في هذا الجبل بأظافرهم.”
رد يونس وعيناه تتفحصان على الطاولة:

“إذا كنت تتحدث عن الذهب، فقد استرديتُ حقي وحق عائلتي بالفعل، والعدالة أخذت مجراها. أنا لا أبحث عن مال أو أوهام قديمة، أنا أبحث عن الخيط الذي يربط بين غدر القريب وخيانة البدايات!”
وقف الرجل ببطء، وارتفع طوله القامة ليلقي بظله العريض على الجدار المتهالك خلفه:
“العدالة؟ هل تسمي ما حدث في المدينة عدالة؟ أنت لم تفعل شيئاً سوى أنك هززت ذيل الأفعى. الرأس الكبير لم يُلمس بعد يا يونس. والفلوس التي استرددتها، والوثائق التي وقعتها.. كل ذلك كان مجرد مرحلة صغيرة ليجبروك على الاسترخاء والاعتقاد بأن المعركة انتهت.”
انحنى الرجل على الطاولة وكرر بصوت كالهمس:
“الرجل الذي أخذ دهبك وشقاك لم يكن يتصرف من رأسه.. كان ينفذ أوامر شخص أعمق وأقوى، شخص يملك النصف الآخر من عقود هذه الأرض، شخص يحكم هذه المنطقة من وراء الكواليس دون أن يجرؤ أحد على ذكر اسمه.”
شعر يونس ببرودة تسري في أطرافه. الأحداث التي ظن أنه أغلقت أبوابها في مكتب المحامي، والانتصار الذي احتفل به في بيت أهله، بدأ يتهاوى كبيت من القش قدام هذه الحقيقة الجديدة.
تساءل يونس بصوت حاد:
“من هو؟ تتحدث بالألغاز وكأنك تخاف منه أنت أيضاً!”
ابتسم الرجل المشوه ابتسامة سخرية مريرة، ورفع يده ليشير نحو الباب الخارجي حيث بدأت أصوات سيارات تقترب في الخفاء عبر الطريق الترابي المظلم:
“لن تحتاج إلى أن أقول لك اسمه.. لقد جاء بنفسه لينهي ما بدأه قبل ثلاثين سنة. ولن يخرج أحد من هذا البيت الليلة كما دخل.”
توقفت المحركات بالخارج، وأُطفئت الأضواء فجأة، ليعم الصمت التام المكان إلا من صوت قطرات المطر وسحب أجزاء الأسلحة بالخارج…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *