كل يوم كنت برجع من شغلي ج2 حكايات منــال عـلـي

الفصل الثاني
وقفتُ متسمرة في مكاني عند عتبة الباب.
الست اللي قدامي كانت في أواخر الأربعينات، لابسة عباية سوداء وطرحة مشدودة بإهمال، وفي عينيها نظرة قلق واستعجال.
بصت لي من فوق لتحت وقالت بنبرة واثقة:
— إنتِ نادين؟ أنا جاية آخد الحاجة اللي حماتك قالت لي عليها.. الحاجة فاطمة قالت لي أعدي الساعة دي بالظبط.
قبل ما ألحق أنطق بحرف واحد، حسيت بإيد بتدفعني بعنف من كتفي.
كانت حماتي.
وشها كان شاحب تمامًا، وعروق رقبتها بارزة من شدة التوتر.
زقتني ووقفت هي بيني وبين الست، وحاولت تبتسم ابتسامة باهتة ومصطنعة:
— أهلاً يا أم سيد.. معلش، نادين لسه راجعة من الشغل ومش فاهمة حاجة.. ثواني والحاجة تكون عندك.
رجعت حماتي خطوتين للمطبخ، وجريت تجيب كيسين سود كبار مربوطين بإحكام. حكايات منــال عـلـي
أنا مكنتش قادرة أستوعب.
الست دي مين؟
والأكل ده رايح فين؟
وليه الرعب ده كله في عينين حماتي؟
لما حماتي مدت إيدها تدّي الأكياس لأم سيد، قطعت المسافة في ثانية، ومديت إيدي ومسكت يد الكيس بقوة.
حماتي اتفزعت وبصت لي:
— نادين! بتعملي إيه؟! سيبي الكيس!
قلت بصوت بارد وحاسم:
— مش هسيبه يا ماما.. إلا لما أعرف إيه اللي جوه، ورايح لمين بالظبط!
أم سيد بصت لنا بارتباك، ورجعت خطوة لورا وقالت بصوت واطي:
— في إيه يا حاجة فاطمة؟ هو في مشاكل؟ أنا مش حمل مشاكل، أنا باخد الأمانة أوصلها للولد في إمبابة وخلاص، ده واقع من الجوع بقاله يومين ومعهوش حق العلاج!
الكلمة نزلت على وداني زي الصاعقة.
«الولد في إمبابة؟!»
«علاج؟!»
حماتي صرخت في وش أم سيد بهستيريا:
—

اخرسي يا أم سيد! امشي دلوقتي.. امشي فورًا وأنا هكلمك!
أم سيد لما شافت الموقف مشتعل، دارت ضهرها ونزلت السلم جري من غير ما تاخد الأكياس.
قفلت باب الشقة بالمفتاح وحطيته في جيبي. حكايات منــال عـلـي
حماتي بصت لي وهي بتنهج، وعينيها مليانة شرارة خوف وغضب:
— افتحي الباب ده يا نادين.. إنتِ اتجننتي؟ بتتدخلي في اللي مالكيش فيه ليه؟! متوفره على روايات واقتباسات
أخدت الكيسين ودخلت بيهم على ترابيزة السفرة، وفضيتهم قدامها.
المشهد خلّى دموعي تنزل من القهر والصدمة.
فرخة كاملة مشوية ومتقطعة، علب بلاستيك مليانة رز وخضار ولحمة، جبن وبيض وفاكهة.. مش دي المشكلة.
المشكلة كانت في اللي تحت الأكل.
شريطين دوا غاليين جدًا لأمراض الأعصاب، وظرف مقفول.
فتحت الظرف بإيد مرتعشة.. لقيت جواه 3000 جنيه!
الفلوس دي كانت من درجي أنا! فلوس كنت حاطاها في الدولاب عشان جمعية عندي في الشغل!
بصيت لحماتي وصرخت بأعلى صوتي:
— إنتِ بتسرقيني؟! بتجوعيني أنا وابنك، وتاخدي شقايا وفلوسي وأكلي وتطلعيه بره البيت؟! مين الولد اللي في إمبابة ده؟! ردي عليا!!
حماتي قعدت على أقرب كرسي فجأة، وحطت إيديها على وشها وبدأت تعيط بنحيب مكتوم.
كان بكاء واحدة مكسورة وخايفة، مش بكاء ندم.
قالت بصوت متقطع:
— وطي صوتك يا نادين.. وطي صوتك الله يسترك، لو حد سمعك البيت ده هيتخرب، وأحمد ممكن يروح في داهية!
قعدت قدامها على ركبي، مسكت إيديها بقوة وقلت:
— أحمد دخله إيه بالموضوع؟ إنتِ مش كنتِ بتقولي في التليفون إن أحمد لازم ميعرفش؟! مين اللي في شقة إمبابة؟ البيت اللي بقاله سنتين بيتشطب ومبيخلصش؟!
رفعت حماتي راسها، وعينيها كانت مليانة دموع ورعب:
— طارق..
اتصدمت.
— طارق مين؟!
حماتي بلعت ريقها بالعافية وقالت:
— طارق أخو أحمد الكبير.
وقفت مكاني مذهولة، ورجعت خطوتين لورا:
— طارق؟ طارق مين اللي عايش؟! أحمد قايل لي من قبل ما نتجوز إن أخوه الكبير مات في حادثة عربية من تمان سنين!
حماتي هزت راسها بنفي وهي بتعيط:
— ماماتش.. دي الكدبة اللي خليت أبوه يقولها لأحمد زمان عشان ينساه.. طارق كان مدمن، وعمل مصيبة وسرق شركة كبيرة ودخل السجن، وقضى عقوبة سبع سنين وخرج من سنتين.. في نفس الوقت اللي جيت فيه أعيش معاكم!
حسيت الدنيا بتلف بيا.
سنتين؟!
سنتين وحماتي مش قاعدة معانا عشان شقتها بتتشطب؟
سنتين وهي بتداري سر بالحجم ده؟!
كملت حماتي بصوت مبحوح:
— طارق خرج من السجن مريض، عنده ضمور في الأعصاب وميقدرش يشتغل، ولا حيلته مليم.. أبوه طرده وحرمه من كل حاجة قبل ما يموت، وأحمد لو عرف إن طارق عايش وقاعد في شقة إمبابة، هيقتله بإيده! أحمد مش مسامحه، لأن الفلوس اللي طارق سرقها زمان كانت شقا أحمد في الغربة اللي بدأ بيه حياته.. السرقة دي كسرت ضهر أحمد زمان وضيعت مستقبله!
بصيت للأكل والفلوس، وبصيت لحماتي بغضب:
— تقومين تسرقيني أنا؟! وتخليني أرجع من شغلي جعانة، وتفضلي تقولي لي «أحمد أكل» و«إنتِ اتأخرتي»، وتخليني أشك في جوزي وفي نفسي، عشان بتأكلي ابنك اللي سرقكم زمان؟!
حماتي مسكت عبايتي وركعت على الأرض:
— قلبي يا بنتي.. قلبي مهدانيش أسيبه يموت من الجوع أو يترمي في الشارع! أنا أمه.. مكنش قدامي حل غير إني آخد من مصاريف البيت، ومن أكلك إنتِ وأحمد.. مكنتش قادرة أطلب من أحمد مليم لطارق، فكنت بشيل نصيبك إنتِ وأحمد من الأكل وأحطه له مع أم سيد توصلهوله كل كام يوم!
في اللحظة دي، وأنا واقفة مصدومة ومش قادرة أستوعب كمية الخداع اللي عشت فيها سنتين كاملين..
موبايلي رن بصوت عالي كسر هدوء الشقة المرعب.
بصيت على الشاشة.
المتصل: أحمد.
حماتي اتنفضت من مكانها، وعينيها وسعت من الرعب:
— متقوليلوش حاجة يا نادين.. أبوس رجلك، لو أحمد عرف إن طارق عايش وعارف مكانه، هتحصل جريمة!
رديت على التليفون وصوتي بيرتجف:
— ألو.. يا أحمد؟
صوت أحمد كان مبهج وغريب على غير العادة:
— حبيبتي، إنتِ في البيت؟ جهزي نفسك، أنا مروح بدري النهاردة، وجايب معايا عشا مخصوص عشانك، قدامي ربع ساعة بالكتير وأكون عندك.. في مفاجأة لازم تعرفيها بخصوص شقة إمبابة!
قلبي سقط في رجلي.
— مفاجأة إيه يا أحمد؟
أحمد قال بضحكة خفيفة:
— أنا قررت أبيع شقة إمبابة أخيرًا، والراجل المشتري معايا في العربية دلوقتي وجايين ناخد المفاتيح من ماما عشان نروح نعاين الشقة حالاً!
الخط اتقفل.
بصيت لحماتي اللي كانت باصة لي ومستنية تسمع أحمد قال إيه.
لما قلت لها: «أحمد معاه مشتري ورايحين شقة إمبابة حالاً»، حماتي حطت إيدها على قلبها، ووقعت على الأرض فاقدة الوعي!
الراجل اللي في إمبابة، المريض، اللي مبيتحركش.. أحمد رايح له ومعاه مشتري بعد ربع ساعة!
أمام عيني ما كنش فيه غير خيار واحد:
أنا لازم أوصل شقة إمبابة قبل ما أحمد يوصل، عشان أمنع الكارثة اللي لو حصلت هتدمر بيتي وتنهي حياة عيلة كاملة!
أخدت مفاتيح الشقة، وجريت على السلم وأنا قلبي بيدق كأنه طبول حرب..
وووو يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *