عمي حكايات زهره الربيع ٣

جابر قال: “مش هينفع أقول هنا.” الضابط قال: “ليه؟” جابر بص حوالينا وقال: “لأن اللي كانوا بيطاردوا محمود لحد النهارده لسه عايزين يوصلوا للمكان ده.” وفجأة موبايل الضابط رن. رد، وملامحه اتغيرت. قفل المكالمة وقال: “عبد الصمد فاق.” الكل سكت. سألته: “قال إيه؟” الضابط رد: “قال إنه عايز يقابل البنت.” أمي صرخت: “لا!” لكنه كمل: “وقال حاجة أغرب… قال إن عنده دليل يثبت إن أبوكي هو اللي كان بيشتغل معاهم في الأول.” حسيت إن الأرض اختفت من تحتي. جابر قرب مني وقال: “متصدقيش كلمة.” الضابط قال: “في حاجة تانية.”
فتح موبايله وورانا صورة التقطتها كاميرا مراقبة قبل القبض على عبد الصمد. ظهر فيها أبويا واقف قدام محل الجزارة مع عبد الصمد… لكن الصورة كانت بتاريخ قبل وفاته بيوم واحد. وتحت الصورة ظهر شخص ثالث واقف جنبهم، ولما قربنا الصورة، أمي صرخت فجأة: “يا نهار أبيض!” كان الشخص الثالث هو نفس الشخص اللي عليه الشرطة، لكنه في الصورة كان بيسلم أبويا ظرفًا كبيرًا. جابر بص للصورة وقال: “الظرف ده هو اللي قتل محمود.” سأله الضابط: “إزاي؟”
جابر رد: “لأن جواه كان الدليل اللي كشف كل الشبكة.” وفجأة سمعنا صوت طرق شديد على باب الشقة. الضابط رفع سلاحه، والعساكر انتشروا في المكان. صوت من خلف الباب قال: “افتحوا… أنا جاي أقولكم الحقيقة.” جابر قرب من الباب، ووشه تحول لرعب شديد. قلتله: “مين؟” لكنه لم يرد. وبعد ثواني قال بصوت مرتجف: “ده صوت الشخص اللي كنت فاكره مات من خمس سنين.” الباب اتفتح ببطء، وظهر رجل عجوز يحمل حقيبة جلدية قديمة. بص لنا وقال: “محمود ما ماتش بالطريقة اللي انتوا فاكرينها… وأنا الوحيد اللي شفت اللي حصل له في آخر ليلة.” ثم وضع الحقيبة على الأرض وقال: “والحقيقة اللي جواها هتغير كل حاجة.”
وقفنا كلنا مكاننا، ولا واحد فينا قدر ينطق. الراجل العجوز كان واقف عند باب الشقة، ماسك الحقيبة الجلد بإيدين بيرتعشوا، وبيبص لنا واحد واحد كأنه بيحاول يفتكر ملامحنا. الضابط قرب منه بحذر وقال: “إنت مين؟ وإزاي دخلت العمارة؟” الراجل ما ردش عليه، وفضل عينه على أمي. أمي كانت بتبصله وهي حاطة إيدها على قلبها، وفجأة قالت بصوت مبحوح: “إنت… أنا شفتك قبل كده.” الراجل هز راسه وقال: “أيوه يا سعاد… شفتيني يوم وفاة محمود.” أول ما قال اسم أبويا، أمي انهارت على الكرسي. خالي أحمد اندفع ناحيته وقال: “إنت كنت فين يومها؟ وليه قلت إنك ؟” الراجل رد: “لأنهم كانوا لازم يصدقوا إني مت.” الضابط سأله: “مين هم؟” الراجل بص للباب وقال: “الناس اللي عبد الصمد كان خايف منهم.” بعدها حط الحقيبة على الترابيزة وفتحها. أول حاجة ظهرت كانت ساعة أبويا القديمة. الساعة اللي أمي كانت فاكرة إنها اتدفنت معاه. أمي مدت إيدها ناحيتها، لكن الراجل منعها وقال: “استني… دي مش مجرد ساعة.” قلبها ناحية الضهر،
