عمى حكايات زهره الربيع 1

رفعت عمتي الورقة وقرأت المكتوب فيها، لكنها لم تفهم المصطلحات الطبية والبيطرية المكتوبة، فنظرت إلى خالي بقلة حبر:
“فهمنا يا أحمد.. المعمل قال إيه؟”
رفع خالي رأسه، ونظر إلينا بعيون مليئة بالدموع والرعب الخالص، وقال بصوت يخرج بصعوبة بالغة، كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة:
“الدكتور البيطري في المعمل.. عمل تحليل للنسيج العضلي والبروتين والأحماض النووية.. قال لي إن اللحم ده مش لحم بقر.. ولا لحم جموس.. ولا لحم أي حيوان استهلاكي مألوف..”
سألت أمي بانهيار وهي تمسك بتلابيبه:
“أومال لحم إيه يا أحمد؟ خلصني!!”
صرخ خالي وهو يبكي بحرقة:
“اللحم ده.. لحم أجزاء بشرية يا سعاد!! ألياف عضلية لحيوان ثديي راقٍ.. فصيلة الإنسان!! المعمل غير مصدق، والدكتور أبلغ الشرطة فورًا وطلب مني ما أتحركش، بس أنا هربت وجيت لكم!!”
وقعت أمي على الأرض مغشيًا عليها في التو واللحظة. صرخت عمتي بصوت شق سكون الليل، بينما شعرت أنا ببرودة تسري في أطرافي، وتوقف قلبي عن النبض لثوانٍ.
أكلنا لحم بشر؟ خمس سنوات.. كل يوم جمعة.. ١٥ كيلو جرامًا كل أسبوع! من أين كان يأتي بكل هذه اللحوم؟ ومن هم الضحايا؟ ولماذا نحن بالذات؟
وفجأة، وقبل أن نستوعب الصدمة القاتلة، تعالت أصوات سرينات سيارات الشرطة في الشارع الأسفل، واهتزت العمارة بصوت ضربات عنيفة ومترادفة على باب شقتنا!
لكن الضربات لم تكن من الشرطة فقط.. بل كان هناك صوت آخر ينادي من خلف الباب بصوت مبشوح، مجنون، ومليء بالوعيد، صوت نعرفه جيدًا.. صوت عمي عبد الصمد، وهو يصيح بصوت غير إنساني:
“افتحي يا سعاد!! افتحي يا بنت الكلب.. رجعيلي اللحم!! رجعيلي اللي أكلتوه.. اللحم ده بتاعي أنا!!”


