عمى حكايات زهره الربيع 1

قالت أمي وهي تبكي وتهتز:
“في إيه يا أحمد؟ طمن قلبي يا خويا.. هو عبد الصمد ماله؟ واللحمة دي مالها؟ مش دي اللحمة اللي بيجيبهالنا من خمس سنين؟ مش دي اللي بناكل منها كل جمعة؟”
التفت إليها خالي ونظراته حادة كالمشرط:
“اللحمة دي مش لحم بقر يا سعاد.. ولا اسكتلندي ولا بلدي. عبد الصمد بيضحك عليكم وعلينا كلنا من خمس سنين. أنا جزار قديم قبل ما أغير شغلي وأفتح الكشك، وملمس اللحم ده وأليافه وطول مدة تسويته على النار.. الحاجات دي مش طبيعية. أنا كنت شاكك من زمان، بس كنت بقول أخو جوزها وبيحن عليهم ومحبش أقطع جوابه، لكن رد فعله النهاردة قطع الشك باليقين. الراجل ده أكل حاجة هو عارف كويس أوي هي إيه.. ورعبه ده رعب واحد عارف إنه ارتكب مصيبة!”
صرخت أمي وهي تضع يديها على رأسها:
“يعني إيه؟ يعني بنآكل لحم حمير؟ ولا لحم كلاب؟ قول يا أحمد ريحني!”
رد خالي بصوت صارم:
“يا ريتها تيجي على قد الحمير والكلاب يا سعاد.. أنا هاخد العينة دي دلوقتي حالا وأطلع بيها على واحد صاحبي شغال في معمل التحاليل الطبية والبيطرية في العتبة، ه يحللها ويفحص النسيج بتاعها، وخلال ساعات هعرف الحقيقة. وإنتي.. قفلي باب بيتك، وماتخليش عبد الصمد يخرج من هنا قبل ما أرجع، أو على الأقل ما تخليهوش يلمس اللحمة دي تاني ولا يمسح أي دليل.”
في تلك اللحظة، خرج عمي عبد الصمد من الحمام، يترنح ويسند جسده على الجدران. كان وجهه مغسولًا بالماء، لكن عيونه كانت زجاجية غائرة، كأن روحًا خبيثة سكنته. تطلع فينا جميعًا بنظرة جمعت بين التوسل والغضب المكتوم. لم يقل كلمة واحدة، بل تقدم بخطوات ثقيلة نحو المطبخ.
وقف خالي في وجهه وسدّ الباب بجسده:
“رايح فين يا عبد الصمد؟”
قال عمي بصوت مبشوح ومتحشرج:
“أنا.. أنا ماشي.. تعبان شوية ورايح بيتي.”
قال خالي ببرود قاتل:
“مش هتمشي يا عبد الصمد قبل ما تفهمني اللحمة دي إيه.. وليه لما عرفت إنك أكلت منها كنت هتموت البنت؟ وليه هربت على الحمام ترجع كأنك أكلت سم؟”
ارتجفت شفتا عمي عبد الصمد، وحاول أن يبدو طبيعيًا، لكن يده كانت ترتعش بشدة وهو يحاول سحب أكمامه للأسفل:
“إنت بتهرتل بتقول إيه يا أحمد؟ أنا جالي مغص حاد.. معدتي ما بتحملش اللحم المستورد ده، أنا قايل للبنت من الأول! إنت هتعمل عليا قاضي في بيت أخويا الميت؟ ابعد عن وشي!”



