عمى حكايات زهره الربيع 1

بصلي برعب، وقرف شديد وارتجاف قال:
“إنتي… إنتي أكلتيني من اللحم اللي بجيبهولكم؟!!”
الكل سكت. الضحك اتقطع. أنا مبقتش عارفة أنطق، مفهمتش ليه رد فعله مرعب كده. وفي ثانية واحدة، لقيته قام من مكانه زي المجنون، هجم عليا و مسكني من رقبتي، كان عايز يخنقني بجد، صوابعه كانت بتغرز في لحمي وهو بيصرخ بصوت مش صوته:
“يا بنت الكلب!! يا بنت الكلب!!”
الكل اتفاجأ وقاموا يجروا، خالي وعيال عمتي بقوا يحوشوه عني بالعافية، وماما شدتني لحضنها وهي بتصرخ مش فاهمة في إيه. وقبل ما حد يقدر يسأله مالك، عمي سابنا، وجري زي الملسوع على الحمام…
صوت ترجيع عنيف، متواصل .. كان بيتقيأ بقوة كأن روحه بتطلع منه، والرعب.. الرعب الصافي كان محفور على وشه بطريقة عمري، عمري ما هقدر أنساها.
خرج خالي من الحمام وهو يترجل بثقل، وجهه شاحبٌ كشواهد القبور، والوجوم يكسو ملامح الجميع في الصالة. كان عمي عبد الصمد ما يزال جالسًا على أرضية الحمام، يسند رأسه إلى الحائط البارد، وأنفاسه تتصاعد كأنها زفير محتضر. لم يكن الأمر مجرد حرقان في المعدة أو وهم نفسي كما توهمت، بل كان خوفًا هائلًا، رعبًا أعمق من الموت نفسه، حفر خيوطًا سوداء تحت عينيه وشلّ قدرته على الوقوف.
احتضنتني أمي بكل قوتها، وكانت أطرافها ترتجف وهي تمسح على رأسي وتنظر إلى باب الحمام بذهول. تساءلت عمتي بصوت يرتجف:
“ماله عبد الصمد؟ في إيه يا أحمد؟ هو اللحم فيه حاجة؟ اللحم اللي بنآكله كلنا ده فيه إيه؟”
لم يجيبها خالي، بل اكتفى بنظرة غامضة مليئة بالشك. وقف في منتصف الصالة، ثم نظر إليّ بصرامة لم أعهدها فيه من قبل، وقال بصوت خفيض:
“تعالي معايا يا بنت أخويا.”
أخذني من يدي واقتادني نحو المطبخ، وخلفنا تبعتنا أمي وعمتي، بينما ظل أبناء عمتي واقفين عند باب الحمام يحاولون مساعدة عمي عبد الصمد الذي رفض أن يلمسه أحد، وكان يئن بصوت مكتوم ويضرب رأسه بالحائط بندم وجنون.
دخلنا المطبخ، وكان البلاط ما يزال مبتلًا بآثار الشوربة وسقوط الحلة التي تسببت في هذه الكارثة. وضع خالي يده على أطباق اللحم المتبقية من العزومة، النظر إليها بعناية، ثم أخرج من جيبه كيسًا بلاستيكيًا نظيفًا، وأخذ قطعة لحم كبيرة مطبوخة ووضعها فيه، ثم أخذ قطعة أخرى نية من الثلاجة كان عمي قد أحضرها في الصباح.

