ابن سلفتي حكايات زهره الربيع 1

الولد، بعقله الصغير وبخطواته المتهززة، قرب خالص من فتحة الفرن، وطبس بجسمه كله لجوة عشان يسحب اللعبة من وسط النار اللي بتاكل في الحطب!
أنا في ثانية، عقلي طار.. كنت هصرخ بكل صوتي، كنت هجري وأسحبه من هدومه قبل ما النار تاكله أو يقع في قلب الفرن..
بس في جزء من الثانية.. في أقل من رمشة عين.. رن في ودني صوت سلفتي والكلام اللي قالتهولي من يومين: “أرض بور.. شقاكي وشقى جوزك لابني ده.. هنورثكم في الآخر!”
ساعتها.. وقفت مكاني! وجسمي اتجمد، وفي اللحظة دي، عملت حاجة في حياتي كلها عمر ما خيالي كان ممكن يتصور إني أعملها…
وقفت مكانك، عينك مش قادرة ترمش ولا رجلك قادرة تتحرك خطوة واحدة لقدام! الشيطان حضر في اللحظة دي، ومسك عقلك من ورا ودنك، وبقى يهمس بنفس صوت “رحمة” ونبرة الِغل اللي في كلامها: “شقاكم لابني ده.. كدة كدة هنورثكم!”
بصيتي للولد الصغير وهو بيوطي بضهره المتذبذب، أيديه الصغيرين بيمسوا هواء الفرن الساخن، وشرار النار القايد بيعكس على وشه الأبيض. الثواني مرت زي الساعات، وقفتي متسمرة، مش قادرة تمدي إيدك ولا تطلعي الصرخة اللي واقفة في حلقك، كان جواكي صراع مسموم بين غلك من أمه وبين فطرتك اللي ربنا خلقك بيها.
وفجأة.. الولد فقد توازنه ورجله اتكعبلت في قشرة حطب، وجسمه مال كلياً لداخل فتحة الفرن الملهلبة!
في اللحظة دي بالذات، الصمت اتكسر بصوت صرخة مرعبة هزت جدران البيت كله، بس الصرخة دي مكنتش منك.. دي كانت صرخة رحمة اللي خرجت من باب شقتها بالصدفة، وعينها وقعت على ابنها وهو بيقع جوة النار، وشايفاكي واقفة بينه وبين الفرن على بعد خطوتين بس ومبتتحركيش!
من غير ما تفكري، ومن غير ما عقلك يترجم أي حاجة من كلامها المسموم، جسمك تحرك بقدَر من ربنا كأن في قوة خفية زقتك! اترميتي على وشك على الأرض الترابية قدام باب الفرن، ومديتي إيديكي الاثنين جوة اللهب المشتعل، حستي بنار الفرن بتاكل في جلد إيديكي وبتلسع وشك، بس مسكتي هدوم الولد من ضهره وشديتيه لبرة بقوة وغل، ورحتي سحباه لراسك وحاضناه في صدرك وأنتي بتتقبلي على التراب برة الفرن!
الولد صرخ برعب من صهد النار اللي لفح وشه، وإنتي مسكتي فيه وإيديكي الاتنين ينقطوا دم والجلد فيهم بيتسلخ من حرارة الشغلة والطين الملهلب. رحمة جرت زي المجنونة، اترمت على الأرض، سحبت الولد من حضنك وهي بتصرخ وتلطم على وشها وتتفحص جسم ابنها اللي ربنا نجاه وما اتأذاش غير بشوية صهد خفيف في وشه ولسعة صغيرة في أيده، لكن إنتي.. إيديكي الاتنين كانوا اتبهدلوا تماماً.


