ابن سلفتي حكايات زهره الربيع 1

دمي غلى وقولت لها بغل مكتوم: “لو مزنوقة تيجي تستأذنيني يا رحمة! كنت هأديهملك والله، إنما تمدي إيدك وتسرقيهم من ورايا؟!”
هنا وشها تحول لسم صافي، وضحكت بصوت عالٍ كله غل وشماتة، وقالت لي وهي بتجز على سنانها:
“أسرقهم؟! واسرق ليه يا حلوة؟! هو إنتي فاكرة الفلوس دي بتاعتك؟ ده إنتي وكل فلوسك، وفلوس جوزك، وحتى أي قشاية بتشتروها في البيت ده، ورث لابني الصغير ده!”
وشاورت بصباعها على ابنها اللي كان بيلعب في التراب برة، وكملت بصوت زي السكينة المسمومة:
“ولا نسيتي إنك أرض بور؟ آخر نفس هيطلع منك مش هيبقى لك حد بعده يورثك! اللي أدهولك تاخديه وإنتي ساكتة وبايسة إيدك وش وظهر.. كدة كدة يا حبيبتي كل شقاكم ده بيرجع لنا تاني، حتى المسكين جوزك اللي طالعة عينه طول السنة، كل شقاه وتعبه إحنا اللي هنورثه في الآخر.. إلا بقى لو حصلت معجزة وبدلوا لك بطنك اللي زي قلتها دي!”
ضحكت ضحكة هزت كياني، وراحت شايلة ابنها من على الأرض وهي بتقول بصوت عالي يسمع البيت كله: “تعالى يا حبيبي جوة لتتحسد.. قل أعوذ برب الفلق!”
أنا وقفت مكاني مش قادرة أرفع رجلي. الكلمات كانت بتنزل على قلبي زي ضرب السواطير. أترميت على السرير، عيوني اتملت دموع زي المطر، وصرخة مكتومة في صدري مش عارفة أطلعها. كلامها كان صح، وده اللي كان بيقطع في جسمي.. إن راجلي بيشقَى لغيره، وإن سكوتي وحرماني مخليني شايفة تعبه بيروح لناس بتتمنى موتنا عشان تورثنا! فضلت يومين مش بدوق النوم، كلامها يرن في ودني زي الجرس: “أرض بور.. كل شقاكم لابني.. هنورثكم في الآخر!”
بعد يومين، كانت الحاجة بتخبز عيش شمسي في الحوش تحت. ولعت الفرن الطين الكبير، وحطت فيه الحطب والقش، ولعته لما النار بقت ملهلبة من جوة وزي الجحيم. فجأة الباب الخارجي خبط، فالحاجة سابت الفرن قايد وراحت تفتح تشوف مين في الوقت ده.
في اللحظة دي، أنا كنت طالعه من شقتي عشان أساعد الحاجة في الخبيز. وشوفت مشهد مش هنساه عمري كله
ابن رحمة الصغير.. الولد اللي يادوب بيتعلم المشي وبيحبى على الأرض، خرج من باب شقتهم اللي أبوه سابه مفتوح وهو طالع، وأمه كانت محبوسة في المطبخ بتعمل أكل . الولد سحل نفسه ووصل لحد الحوش، وقعد يلعب جنب باب الفرن المفتوح. وهو بيلعب، اللعبة الصغيرة اللي في إيده اترمَت جوة الفرن الملهلب!
