تحت الفراش حكايات اسما السيد 1

قبلها:
“سليم نام وهو مستني مكالمتك.”
وقبلها:
“ما تنساش حفلة المدرسة الخميس.”
وقبلها صورة لسليم ماسك شهادة.
ورد جوزي:
“فخور بيك يا بطل. بابا هيجيلك بكرة.”
إيدي بدأت ترتعش.
رجعت بالشهور.
صور.
مصاريف مدرسة.
دكتور.
عيد ميلاد.
رحلات.
مكالمات.
حياة كاملة.
قلت:
— كل مرة كنت بتقولي عندك سفرية شغل…
ما ردش.
— كنت بتروح لهم؟
— مش كل مرة.
— كام مرة؟
— كتير.
قعدت.
— وإجازة العيد اللي قولتلي فيها إنك مضطر تسافر بسبب مشكلة في الفرع؟
نزل عينه.
— كنت مع سليم.
— عيد ميلادي من سنتين؟
— رجعتلك بالليل.
افتكرت.
وصل الساعة 11 ونص ومعاه ورد.
اعتذر وقال إن الاجتماع طول.
وأنا حضنته.
وقلتله:
“ولا يهمك، المهم إنك جيت.”
غمضت عيني.
قلت:
— أنا كنت مغفلة.
قال:
— لأ.
— كنت.
— إنتِ وثقتي فيا.
بصيتله.
— وده طلع أغبى قرار عملته.
الجملة وجعته.
لكن وقتها ماكانش يهمني.
قلت:
— ليه؟
— إيه؟
— ليه ما قلتليش من البداية؟
فضل ساكت.
قلت:
— إحنا اتجوزنا قبل ما أخوك يموت. كان ممكن تيجي تقوللي: أخويا مات ومراته حامل وأنا عايز أقف جنبهم.
— ماكنتش هقدر.
— ليه؟
— لأنك كنت هتسألي أخويا مين.
— طبيعي!
— وأنا ماكنتش عايز أجاوب.
بصيتله.
— ليه؟
وشه اتغير.
ولأول مرة من ساعة ما لقيت الصور، شفت خوف حقيقي في عينه.
قلت:
— أخوك عمل إيه؟
قال:
— مش أخويا اللي عمل.
— أمال؟
سكت.
قلت:
— قول.
قام وراح ناحية الشباك.
فضل واقف بضهره ليا.
— أنا وأخويا ما اتربناش مع بعض.
— وبعدين؟
— هو كان أخويا من الأب.
— إنت قلتلي أبوك مات وإنت صغير.
— دي الحقيقة.
— يبقى؟
لف ناحيتي.
— قبل ما يموت، كان عنده بيت تاني.
سكت.
— ومرات تانية.
بدأت أفهم.
— أم أخوك؟
هز راسه.
— أيوه.
— وإنت عرفت إمتى؟
— وأنا عندي عشرين سنة.
— وفضلت علاقتكم؟
— في السر.
ضحكت من غير فرحة.
— واضح إن السرية موهبة عائلية.
اتوجع لكنه كمل:
— أخويا ماكانش ذنبه حاجة. قربنا من بعض. بقينا أصحاب أكتر من إخوات.
— وداليا؟
— مراته.
— وبعدين مات.
— أيوه.
— إزاي؟
سكت.
ثواني طويلة.
قلت:
— إزاي مات؟
رد:
— حادثة عربية.
لكن طريقة قوله للجملة خلتني أعرف إن لسه فيه حاجة.
قلت:
— وإنت كنت معاه؟
بصلي.
ما ردش.
قربت منه.
— كنت معاه؟
قال:
— أيوه.
— إنت كنت سايق؟
سكت.
وقتها قلبي دق بعنف.
قلت:
— إنت كنت سايق العربية اللي أخوك مات فيها؟
همس:
— أيوه.
رجعت خطوة.
قال بسرعة:
— بس لازم تعرفي اللي حصل.
— إنت السبب في موته؟
— لأ… يعني…
حط إيده على راسه.
— مش بالطريقة اللي إنتِ متخيلاها.
قلت:
— أمال بأي طريقة؟
قعد.
وبدأ يحكي.
— الليلة دي أخويا اتصل بيا. كان متخانق مع داليا، وشرب.
— وإنت روحتله؟
— أيوه. أخدت مفاتيح عربيته وقلت أوصله.
— والحادثة؟
— عربية طلعت قدامنا فجأة. حاولت أفاديها.
سكت.
— العربية اتقلبت.
— وهو مات؟
هز راسه.
— وأنا خرجت بإصابات بسيطة.
نزلت عيني.
بدأت أفهم ليه حس بالذنب ناحية الطفل.
قلت:
— علشان كده اعتبرت سليم ابنك؟
— جزء من السبب.
— والجزء التاني؟
سكت.
قلت:
— فيه إيه تاني؟
قال:
— قبل ما أخويا يموت…
صوته اتكسر.
— كان واعي لدقايق.
بصلي.
— مسك إيدي وقاللي: “داليا حامل… ما تسيبهمش.”
سكت.
— وأنا وعدته.
دموعي نزلت رغم غضبي.
القصة مؤلمة.
لكنها ما مسحتش سبع سنين كذب.
قلت:
— كان ممكن توفي بوعدك من غير ما تخدعني.
قال:
— عارف.
— كان ممكن تساعد الطفل كعمه.
— حاولت.
— أمال ليه فاكر إنك أبوه؟
قال:
— لما كان عنده حوالي سنتين بدأ يسأل.
سكت.
— وداليا كانت بتقوله إن باباه في السما. بس مرة شافني، وناداني “بابا”.
— وإنت صححتله؟
ما ردش.
قلت:
— ما صححتش.
— ماقدرتش.
— وبعدها؟
— الموضوع كبر.
قلت:
— الكذبة كبرت.
هز راسه.
— أيوه.
وقتها افتكرت حاجة.
حاجة صغيرة جدًا.
من حوالي خمس سنين، جوزي فجأة قال إنه مش جاهز نخلف.
قبلها كنا بنتكلم عن الأطفال بشكل طبيعي.
لكن من وقتها، كل مرة أفتح الموضوع يقول:
“لسه بدري.”
وبعدها:
“الشغل مش مستقر.”
وبعدها:
“خلينا نستمتع بحياتنا.”
بصيتله.
— إنت ماكنتش عايز تخلف مني بسبب سليم؟
وشه اتغير.
وكان ده كفاية.
قلت:
— يا نهار أبيض.
— الموضوع مش…
— ما تقولهاش!
صرخت.
— ما تقوليش “الموضوع مش كده”!
دموعي نزلت.
— أنا قعدت سنين أسأل نفسي إنت ليه كل ما أتكلم عن طفل تغير الموضوع.
سكت.
— افتكرت إن المشكلة فيا.
قال بسرعة:
— عمرها ما كانت فيكي.
— أمال؟
— كنت خايف.
— من إيه؟
— إني لو بقي عندي طفل منك…
سكت.
— أكمل.
قال:
— إني أبدأ أحب حياتي هنا أكتر.
فضلت باصة له مش فاهمة.
قال:
— وأسيب سليم.
همست:
— يعني حرمتني من فكرة الأمومة…
صوتي اتكسر.
— علشان تحافظ على كذبتك مع طفل تاني؟
— أنا ما حرمتكيش.
— إنت ضيعت سنين!
ما ردش.
الموبايل القديم رن.
داليا.
بصينا للشاشة.
قال:
— ما ترديش.
رفعت عيني له.
وبعدين ضغطت إجابة.
— ألو؟
سكتت الناحية التانية.
قلت:
— داليا؟
صوت ست جه متردد:
— مين؟
قلت:
— مراته.
صمت.
طويل جدًا.
وبعدين قالت:
— أخيرًا.
الكلمة استفزتني.
— أخيرًا إيه؟
قالت:
— أخيرًا عرفتي.
بصيت لجوزي.
هو كان واقف مكانه كأنه نفسه يختفي.
قلت:
— إنتِ عارفة عني من إمتى؟
قالت:
— من البداية.
— البداية إمتى؟
— من قبل ما سليم يتولد.
قلبي وقع.
قلت:
— يعني وإنتِ حامل كنتِ عارفة إنه متجوز؟
— طبعًا.
— ووافقتِ ابنك يفتكره أبوه؟
سكتت.
ثم قالت:
— دي مش الفكرة اللي بدأت مني.
بصيت لجوزي.
— أمال من مين؟
داليا قالت:
— اسألي جوزك عن تحليل سليم.
جوزي تحرك فجأة.
— داليا، كفاية.
أنا رفعت إيدي.
— تحليل إيه؟
داليا قالت:
— هو ما قالكيش؟
جوزي قال بعصبية:
— اقفلي يا داليا.
صرخت:
— محدش هيقفل!
وبعدين سألتها:
— تحليل إيه؟
صوتها هدي.
— تحليل النسب.
حسيت إني مش فاهمة الكلمات.
— نسب مين؟
داليا ردت:
— سليم.
بصيت لجوزي.
وشه فقد لونه.
قلت:
— إنت عملت تحليل نسب لسليم؟
ما ردش.
داليا قالت:
— من خمس سنين.
سألت:
— وليه يعمل تحليل نسب لابن أخوه؟
صمت.
ولا واحد فيهم رد.
قلت:
— ردوا عليا!
داليا بدأت تعيط.
— لأن بعد موت جوزي اكتشفت حاجة.
جوزي قال:
— داليا!
لكنها كملت:
— اكتشفت إنه كان عنده مشكلة طبية.
إيدي بردت.
— مشكلة إيه؟
قالت:
— مشكلة كانت بتخلي احتمال إنه يخلف ضعيف جدًا.
بصيت لجوزي.
قلت:
— وبعدين؟
داليا قالت:
— حصل خلاف بيني وبين جوزك بسبب سليم.
— خلاف ليه؟
— لأنه بدأ يشك.
جوزي قال:
— كفاية.
داليا صرخت فيه من الموبايل:
— لأ، مش كفاية! سبع سنين وإنت مخبي عليها!
أنا قلت:
— نتيجة التحليل كانت إيه؟
صمت.
قلت:
— داليا… سليم ابن مين؟
سمعت شهقتها.
وبعدين قالت:
— أنا ما كنتش عايزة تعرفي بالطريقة دي.
جوزي قرب مني.
— اقفلي وأنا هفهمك.
رجعت عنه.
— ما تقربش.
وسألت للمرة الأخيرة:
— سليم ابن مين؟
داليا قالت:
— التحليل أثبت إن جوزي المتوفي مش أبوه.
اتجمدت.
قلت:
— أمال مين؟
داليا ما ردتش.
لكن أنا بصيت لجوزي.
هو نزل عينه.
وفي اللحظة دي…
فهمت قبل ما حد ينطق.
قلت بصوت شبه الهمس:
— لأ.
رفع عينه ليا والدموع فيها.
رجعت خطوة.
— لأ.
قال:
— اسمعيني.
— سليم ابنك إنت؟
ما ردش.
صرخت:
— سليم ابنك؟!
وبعد ثواني من الصمت…
هز راسه.
— أيوه.
الموبايل وقع من إيدي على السرير.
كل الحكاية اتغيرت في ثانية.
مفيش أخ مات وساب طفل وهو بيرعاه وفاءً لوعد.
مفيش عم اضطر يمثل دور الأب.
كان فيه طفل…
ابن جوزي فعلًا.
وست كان يعرفها قبل ما الطفل يتولد.
وأنا كنت عايشة سبع سنين جنب السر.
لكن السؤال اللي خرج مني كان أخطر من كل اللي فات:
— لو سليم عنده خمس سنين…
بصيت لجوزي.
— وإحنا متجوزين سبع سنين…
سكت.
— يبقى إنت وداليا كنتوا مع بعض وإنت متجوزني.
غمض عينه.
قلت:
— خنتني مع مرات أخوك؟
فتح عينه وقال بسرعة:
— حصلت مرة واحدة.
ضحكت وأنا بعيط.
— مرة واحدة كفاية تعمل طفل.
سكت.
قلت:
— أخوك كان عايش؟
وشه اتغير.
وهنا…
حسيت إن لسه فيه ضربة أخيرة.
قلت ببطء:
— لما حصل اللي بينك وبين داليا…
أخوك كان عايش؟
ما ردش.
قربت منه.
— رد.
قال:
— أيوه.
اتجمدت.
ثم قال:
— والأخطر إن أخويا عرف قبل الحادثة.
رفعت عيني له.
— عرف؟
هز راسه.
— الليلة اللي مات فيها…
سكت.
— ما اتصلش بيا لأنه كان متخانق مع داليا وبس.
صوته اتهز.
— اتصل بيا لأنه كان اكتشف الحقيقة.
وساعتها فهمت إن الحادثة اللي مات فيها أخوه…
يمكن ما كانتش مجرد حادثة عادية زي ما حكالي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *