شغاله موظفة حكايات روماني مكرم ج 2
الجزء الثالث:
مرت الـ 48 ساعة على أحمد في الكويت وكأنها دهر كامل. الشقة اللي كان قاعد فيها ومستقر، وبيرجع من شغله ينام مرتاح البال وهو قافل تليفونه عن مراته وعياله، اتحولت لساحة من النار. تليفونه اللي كان زي الحتة الحديدة الميتة، مبقاش يبطل رن.. مكالمات من أمه الحاجة فاطمة وصوتها طالع مخنوق بالبكاء والزعيب، ومكالمات من إخواته الرجالة اللي أول مرة يلاقوا نفسهم في مواجهة مباشرة مع مسؤولية عيال أحمد، ومطالبين بمصاريف وأكل وشرب ودروس، غير الخوف اللي ركَب العيلة كلها من اسم “الحاج عبد الحميد الهواري”.
الحاجة فاطمة كانت بتتكلم في التليفون وصوتها بيرتعش: “الحقني يا أحمد.. مرتك رمت لنا العيال وراحت بلد أبوها، والعيال من ساعة ما مشيت وهم صريخ وعويل مابيفصلوش، وأنا ست عجوزة ورجلي مابقتش تشيلني.. وإخواتك الرجالة قالوها لي صريحة: (إحنا مش هنشيل شيلة غيرنا، ولا لينا حمل على زعل الهوارية).. كلم مرتك يا واد بطنِك وصالحها، دي طلعت واصلة ووراها رجالة وإحنا كنا فاكرينها مقطوعة من شجرة!”.
أحمد كان بيسمع وكلام أمه بينزل على ودنه زي السكاكين. افتكر كل مرة كانت منى بتبعت له رسالة تترجاه يبعت مصاريف، وافتكر كلام أمه وهي بتقوله: “سيبها تلوص.. دي موظفة وبتشيل قرشها في البنك، بكرا تطلع الفلوس وتصرف غصب عنها”. حس بندم وكسرة نفس وهو شايف صورته قدام أهله وبلده بتهتز.. بقى هو الراجل اللي مستخسر اللقمة في عياله لدرجة إن مراته تلجأ لكبار البلد؟
حاول أحمد يتصل بمنى.. رن مرة واتنين وتلاتة، والتليفون بيدي جرس بس مفيش رد. منى كانت قاعدة في بيت الحاج عبد الحميد، وسط حريم العيلة اللي استقبلوها بالترحاب والود، والعيال كانوا في بالها وفي قلبها، ونفسها تروح تاخدهم في حضنها، بس كانت عارفة إنها لو ضعفت المرة دي، هترجع لنقطة الصفر، وهتفضل طول عمرها “الست الراجل” اللي بتصرف وبتتبهدل وجوزها مخصمها.
الحاج عبد الحميد دخل عليها المضيفة، وبص لها وقال بصوته الرخيم: “تليفونك بيرن يا بنتي.. ده هو؟”.
منى هزت راسها ودموعها حيرانه في عينيها: “أيوا يا عمي.. أحمد”.
الحاج عبد الحميد ابتسم ابتسامة هادية وقال: “مترديش عاد.. سيبيه يغلي في عرق طيبته. الراجل لما يستسهل الخصام مع مرته عشان الفلوس، لازم يتدوق من نفس الكاس.. سيبيه يعرف إن الكلمة ليها تمن، وإن الست اللي صانت بيته في غيابه وراها رجالة بيعرفوا يوزنوا الأمور”.
وفي الكويت، أحمد ملقاش قدامه حل غير إنه يكلم صاحبه “مصطفى” اللي شغال معاه ومسافر معاه من نفس البلد. حكى له وهو دمه محروق ووشه في الأرض من الكسوف. مصطفى بص له بلوم شديد وقال له: “يا أحمد، أنا ياما قولت لك اتقي الله في مرتك وعيالك.. مفيش راجل عاقل يسمع كلام أمه في بيته ويخرب على نفسه. الموظفة دي مش بتشتغل عشان تصرف على عيالك وإنت شايل قرشك؟ القرش ده فرض عليك إنت قدام ربنا وقدام الناس. دلوقتي الحاج عبد الحميد دخل في الموضوع، والراجل ده كلمته سيف، لو ما اتصرفت صح، مش هتعرف تنزل البلد تاني وسط الناس واعتبر نفسك خسرت مرتك وعيالك للأبد”.
أحمد قعد على سريره، وبدأ يكتب رسالة لمنى.. رسالة مفيهاش العند القديم ولا الجفاء اللي كان بيتعامل بيه. كتب: *”يا منى.. أنا عارف إني قصرت، والرجوع للحق فضيلة. أنا بعت لك مع مصطفى اللي نازل إجازة بكرا مبلغ كبير، يكفي مصاريف المدارس وكسوة العيد وزيادة، وهعمل لك تحويل شهري ثابت باسمك يوصلك أول كل شهر من غير ما تطلبي كلمة واحدة.. أرجوكي ردي عليا، وخذي العيال من بيت أبويا ورجعي شقتك، بلاش تفضحينا قدام الحاج عبد الحميد والناس”.*
منى استلمت الرسالة وقرتها.. حست بنصر صغير جوة قلبها، بس النصر ده كان مخلوط بمرارة السنتين اللي عاشتهم في ذل وكسرة. راحت للحاج عبد الحميد وورته الرسالة.
الحاج عبد الحميد قرا الكلام، وهز راسه وقال: “بداية زينة.. بس الكلام في الشات مبيأكلش عيش يا بنتي. هو فاكر إن القرش اللي هيبعته ده هيمحي كسرة النفس؟ لأ.. الموضوع مبقاش مصاريف وبس.. الموضوع في الأصول اللي اتدست بالرجلين”.
التفت الحاج عبد الحميد لواحد من رجالة العيلة وقال له: “يا فوزي، خد رجالة معاك في العربيات، واطلع على عمارة عيلة أحمد.. هات عيال بنتنا من هناك بالمعروف، وهات معاك أعمام العيال والحاجة فاطمة الكبيرة.. قولهم الحاج عبد الحميد مستنيكم في المجلس الليلة عشان نكتب شرط المقاطعة والالتزام.. والواد أحمد يفضل على الخط وسامعنا من الكويت!”.
الخطة كانت لسه بتكبر، ومنى كانت واقفة بتابع وهي مش مصدقة إن صوتها اللي كان مكتوم ومحدش بيسمعه، بقا بيحرك رجالة ويهز عائلات.. والليل بدأ يليل، ومجلس الحاج عبد الحميد بدأ يتملي بنفحات الحسم، وأحمد في الكويت مستني على نار تليفونه يرن عشان يعرف مصيره ومصير بيته إيه!
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
الجزء الرابع:
على الساعة تمانية بالليل، كانت الساحة قدام بيت الحاج عبد الحميد منورة بكشافات كبيرة، وصوت عربيات الهوارية وهي داخلة العمارة ومحملة بالرجالة عمل قلق في البلد كلها. نزلت الحاجة فاطمة من العربية وهي ساندة على عصايتها، ووراها ولادها الاتنين “محمود” و”حسين” أعمام العيال، ووشوشهم في الأرض من الكسوف والخوف.. محمود كان شايل البنت الصغير، وحسين ماسك في إيد الولد.
دخلوا المجلس اللي كان مليان على آخره بكبار عائلات البلد، والكل قاعد في صمت هيبة للحاج عبد الحميد اللي كان مترأس الجلسة وعصايته الأبنوس بين إيديه. منى كانت قاعدة ورا الستارة في المضيفة الحريمي، عينيها على عيالها ونفسها تجري تاخدهم في حضنها، بس ماسكة نفسها بقوة أول مرة تحس بيها في حياتها.
الحاج عبد الحميد شاور للرجالة يقعدوا، وبص للحاجة فاطمة وقال بصوت رخيم وهادي بس يقطع النفس: “نورتوا يا جماعة.. والعيال نورت بيت جدهم مكرم الله يرحمه. قعدي يا حاجة فاطمة.. وأنت يا محمود، حط الموبايل ده على السبيكر في وسط التربيزة.. أخوك أحمد ويانا على الخط؟”.
محمود صوابعه كانت بترتعش وهو بيظبط التليفون، وصوت أحمد طلع من السبيكر مخنوق وبعيد: “أيوا يا حاج عبد الحميد.. معاليك أنا سامعك، وأنا ولدك وخدّامك، والقرش اللي تؤمر بيه هيوصل لمنى والعيال الصبح.. بس بلاش الفضايح بين البلاد، إحنا ناس لبعضنا”.
الحاج عبد الحميد خبط بالعصاية خبطة واحدة على الأرض، المجلس كله سكت تماماً، وقال: “الفضيحة يا واد الناس مش إنك تقعد في مجلس حق.. الفضيحة هي الخرس الاختياري اللي عيشت فيه مرتك سنتين.. الفضيحة إن عيالك في العيد يبكوا عشان عيدية، وأنت قفل تليفونك في الغربة عشان خايف تقولك هات! لحمنا مش جمعية خيرية أنت بتتبرع لها لما تروق، دي أصول وشرع ربنا”.
التفت الحاج عبد الحميد للكاتب اللي قاعد جمبه وقال له: “اكتب يا جابر.. شرط اتفاق ومقاطعة شرعية، يوقع عليه أعمام العيال كفلا وضامنين لأخوهم اللي في الغربة”.
الحاجة فاطمة اتكلمت بصوت مرعوب: “يا حاج عبد الحميد، إحنا ملناش صالح، ده وادنا وهو اللي مقصر، إحنا ذنبنا إيه نوقع على شروط؟”.
الحاج عبد الحميد بص لها بنظرة حادة خلتها تسكت فوراً: “ذنبكم إنكم كنتوا بتسمعوا الست وهي بتشتكي وتقولوا لها (اصبري جوزك غريب)، وذنبك يا حاجة إنك كنتِ بتقولي له (لم قرشك مرتك موظفة). الموظفة دي بتشيل اسم ابنك، وبتصون شرفه في غيابه، والقرش اللي بتجيبه من شغلها ده ليها ولأهلها، مش عشان ابنك يتدلع بيه في الكويت!”.
أحمد صوت بكائه طلع من التليفون، الندم والكسرة وسط كبار بلده هدّوا كل العند اللي كان فيه، وقال: “تؤمر بإيه يا حاج؟ أنا موافق على كل اللي تقوله، بس رجّع منى بيتي ومتخربش عليا”.
الحاج عبد الحميد أملى الكاتب الشروط بالحرف:
“أولاً: يلتزم الطرف الأول (أحمد) بدفع مبلغ شهري ثابت (حدد قيمته بما يضمن حياة كريمة جداً للعيال) يوصل ليد منى أول كل شهر، من غير ما تطلب أو تترجى.
ثانياً: مصاريف المدارس، ولبس العيدين (الصغير والكبير)، ومصاريف العلاج، دي تطلع برا المصروف الشهري وتندفع فوراً.
ثالثاً: شقة الزوجية اللي في عمارة العيلة، منى ليها كامل الحرية والأمان فيها، ومحدش من العيلة يدخل في شؤونها أو يوجعها بكلمة، وإلا يعتبر الشرط مكسور.. وفي حالة كسر أي بند من البنود دي، يلتزم الضامنين (محمود وحسين) بدفع شرط جزائي كبير جداً، وتعود منى لبيت أهلها بالطلاق وحقوقها كاملة تالت ومتلت”.
الحاج عبد الحميد بص لأعمام العيال وقال: “امضوا يا رجالة.. وإنت يا أحمد، بكرا الصبح التحويل يوصل ليد مرتك، وإقرار منك بالبند ده يتبعت موثق”.
محمود وحسين مضوا وبصموا وهم مش قادرين يرفعوا عينيهم في عين حد، والحاجة فاطمة كانت بتبص للأرض وهي حاسة إن القوة والسيطرة اللي كانت شايلاهم على منى اتبخرت في ثواني قدام كبار الهوارية.
بعد ما المجلس فضي، خرجت منى من ورا الستارة. الحاج عبد الحميد بص لها واشترط عليها خطوة أخيرة ومفاجئة، خطوة خلت منى تقف مذهولة وهي بتفكر: هل أحمد فعلاً هيتغير بعد كل ده، ولا النار اللي قادت في عمارة العيلة وفي الكويت لسه هتجيب وراها عواصف تانية جرحها أكبر؟


