رودي خالد 2

عرفت في هذه اللحظة أن سارة نسجت فخها الجديد. هي لم تكتفِ بطردها، بل أرادت أن تجرّ كريم إلى ساحتها الخاصة… إلى هذا البيت الذي تُمارَس فيه القرارات القسرية والابتزاز العاطفي باسم “المرض” و”اليتيم”.
اتصلت بكريم في وقت متأخر من الليل، وحكيت له ما حدث وأنا أبكي من قلة الحيلة:
— كريم… هي عايزاك تيجي بكرة عشان تذل كبرياءك، وتخلي أهلي يضغطوا عليك تتأسف لها… بلاش تيجي، أنا ممكن أسيب البيت وأمشي زي دينا أختي.
ضحك كريم بصوته الهادئ الواثق، وقال من أقصى الطرف الآخر للخط:
— أسيب البيت؟ ونخسر المعركة من أول جولة؟ لا يا نورا… سارة فاكرة إن كل الرجالة زي حبيب أختك القديم، تضحك عليهم بنحنيح وعلبة دوا. هي متعرفش إني مش بس بحبك… أنا قاري نوعيتها كويس أوي. بكرة أنا هكون عندكم، وما تشيليش هم حاجة خالص.
في اليوم التالي، كان البيت مجهزاً كأنه ساحة محاكمة. جلست أمي وجدتي على أريكة الصالون الرئيسية، بينما جلست سارة في الزاوية، ترتدي فستاناً أبيض ناعماً، وتضع حول رقبتها الشال الذي أهداه لي أبي قبل وفاته وأخذته هي مني بغير حق، وكانت تمسك كوباً من الأعشاب الطبية وتتظاهر بالضعف والدوخة.
وفجأة… رن جرس الباب.
فتحت الباب لتظهر قامة كريم العريضة. كان يرتدي بدلة أنيقة جداً، ويحمل في يده باقة زهور ضخمة لأمي، وعلبة حلويات فاخرة، بالإضافة إلى شنطة هدايا قيمة جداً وضعها جانباً. دخل بهيبة واثقة، ألقى السلام بابتسامة دافئة، وسلّم على أمي بحفاوة وقبّل يد جدتي باحترام شديد، مما جعل جدتي تتراجع قليلاً عن نظراتها الحادة المتجهمة.
قال كريم بنبرة صوت مريحة ورخيمة:
— يا جماعة… أنا بعتذر إن الخطوبة جت بسرعة ومستعجلة، بس أنا كنت مستني أثبت نفسي في شغلي الأول عشان أكون جدير بنورا… نورا بالنسبة لي هي جوهرة حياتي.
ابتسمت أمي رغماً عنها، لكن جدتي تنحنحت وقالت بجفاف:
— أهلاً بيك يا ابني… بس القعدة دي مش هتكمل إلا لما نصلح الغلطة. أنت زعلت سارة سيدة البيت، وإحنا هنا بنراعي مشاعرها قبل أي حد، لأنها مريضة ويتيمة.
نظرت سارة لكريم بدموع محبوسة، وهي تنتظر لحظة انكساره وتأسفه لها لتبدأ رحلة السيطرة عليه. لكن كريم ابتسم ابتسامة خفيفة، والتفت صوب سارة ببرود شديد وقال:




