حكايات امانى السيد 4

في يوم الافتتاح واستلام الشقق، اجتمع أهالي المنطقة والأقارب الجدد. صعدت الأم إلى طابقها الجديد، تُرافقها ابنتها الطبيبة برداءها الأبيض وولدها المهندس. كانت تمشي بثبات وهيبة، ترتدي ثوباً بسيطاً أنيقاً، وعلى وجهها ابتسامة رضا صافية لا تشوبها ذرة من الشماتة أو الخيلاء.

خصص الأبناء لوالدهم — الابن الوسطاني — شقة هادئة ومريحة في الطابق الأول، ليقضي فيها ما بقي له من عمر بالقرب من أطفاله، بعيداً عن عناء الغرف المظلمة وورش النجارة الشاقة. عاش الرجل سنواته الأخيرة زاهداً، مداوماً على الصلاة في المسجد، يلهث لسانه بالدعاء لزوجته السابقة التي أقالته من عثرته ولم تتركه للضياع، وكان يفخر بابنه المهندس وببنته الطبيبة أمام كل من يقابله، ويردد بدموع الندم: “هؤلاء ثمرة صبر أمهم التي كنا نظنها ضعيفة وخادمة”.

أما سلايفها السابقات وأولادهن الذين زرعوا الكبرياء واحتقار الناس، فقد تفرقوا في العشوائيات والديون؛ عاشوا ذليلي النفوس، طاردتهم دعوات المظلوم وآثار القسوة، يذوقون في حياتهم اليومية من نفس الكأس التي أذاقوا منها تلك المسكينة، ليثبت الدهر أن بناء الإنسان على الظلم والافتراء لا يحصد في النهاية إلا الخراب والدماء المهدورة.

وفي مساء ليلة هادئة، جلست الأم في بلفونتها المطلة على الشارع، يلتف حولها ولدها وبنتها وأحفادها الصغار. أخذت تطعم الأحفاد بيديها الرقيقتين، وتنظر إلى السماء بنظرة امتنان وشكر لله الذي لم يضيع أجر صبرها.

الحكمة من القصة:

* عدالة السماء لا تغفل: دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، ومهما طال أمد الظلم واستعلى الظالم بقوته أو نسبه، فإن الدائرة تدور، ولا يصح في النهاية إلا الصحيح.

* الأصل الحقيقي في الأخلاق لا في النسب: ليس العز والحسب بالألفاظ الفارغة ولا بالاستعلاء على خلق الله، بل بالعفة، وطهارة اليد، وحسن التربية والصبر على البلاء.

* الخدمة والتواضع كرامة لا إهانة: من يتواضع لله ويرضى بخدمة أهله برضا نفس لا يكسره الظلم، بل يرفعه الله في الدنيا والآخرة، بينما يُذل الله كل متكبر جبار.

* ثمار الظلم خراب البيوت: الكبر والتحريض والغل لا تبني بيوتاً ولا تحفظ عائلات، بل تأكل الأخضر واليابس وتورث الندم والشتات للأبناء والأحفاد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *