اختي خلتني البس فستان برتقاني

أختي لبّست كل البنات فساتين موف شيك في فرحها أما أنا فادّتني فستان برتقاني واسع وقالت لعيلة العريس إني مش مستقرة نفسيًا بعد ما رجعت من شغلي. كانت فاكرة إنها خلصت مني لكن سؤال واحد من جدة العريس قلب الفرح كله.
اسمي مريم.
عندي 34 سنة.
وشغالة مهندسة مدنية في شركة كبيرة.
طول عمري كنت البنت اللي شايلة المسؤولية.
أشتغل.
وأساعد.
وأحل المشاكل.
أما أختي الصغرى، رانيا
فكانت دايمًا حبيبة ماما.
لو غلطت، يلتمسلها العذر.
ولو فشلت، الكل يطبطب عليها.
ولو نجحت في حاجة بسيطة، يتحول الموضوع لاحتفال عائلي.
أما أنا؟
فكان المطلوب مني أنجح وبس.
ومن غير ما أتكلم.
لما بابا تعب سنين طويلة، أنا اللي كنت بلف بيه على الدكاترة.
ولما جدتي قعدت في السرير بعد الجلطة، أنا اللي كنت بروحلها كل يوم.
أغيّر لها.
وأأكلها.
وأقعد جنبها بالساعات.
بينما رانيا كانت دايمًا عندها حجة.
مرة مشغولة.
ومرة تعبانة.
ومرة نفسيتها وحشة.
لكن يوم وفاة جدتي
جت متأخرة ساعة كاملة.
وعيطت قدام الناس أكتر من الكل.
وفجأة بقت هي الحفيدة المكسورة اللي محتاجة مواساة.
ساعتها فهمت إن بعض الناس موهوبين في لعب دور الضحية.
ولما رانيا اتخطبت لابن عيلة غنية جدًا
كنت عارفة إن الفرح هيبقى استعراض كبير.
بس ما كنتش متوقعة إني أبقى أنا مادة الاستعراض.
وصلت أوضة تجهيز العرايس يوم الفرح.
كل البنات لابسين فساتين
موف راقية.

قماش ناعم.
وتفصيل محترم.
لكن فستاني كان متعلّق لوحده جوه مخزن صغير.
برتقاني فاقع.
واسع بشكل يضحك.
وكأنه معمول مخصوص علشان أبان بشكل سخيف.
دخلت على أختي وسألتها
إيه ده؟
ابتسمت وقالت
ده اللي كان مناسب ليكي.
بصيت على ماما.
لكنها قالت ببرود
ما تعمليش مشاكل في يوم فرح أختك.
فهمت الرسالة.
كانوا عايزين يحرجوني قدام الناس.
بس لبسته.
وعدّلته على قد ما أقدر.
ونزلت بيه.
وأول ما دخلت الحفلة
الناس بدأت تبص.
وبعضهم يهمس.
لكن كملت عادي.
لحد ما سمعت رانيا وهي واقفة مع أهل العريس.
كانت بتحكي قصة نجاح
قصتي أنا.
قالت إنها خريجة هندسة.
وإنها أسست شركتها بنفسها.
وإنها كانت بتصرف على نفسها من أول يوم.
كل كلمة كانت بتقولها
كانت حاجة من حياتي أنا.
ولما واجهتها بهدوء
ضحكت.
وقالت قدام الناس
معلش يا جماعة مريم أوقات بتتلخبط في الكلام.
وقبل ما أتكلم
ماما شدتني على جنب.
وهمست في ودني
أنا قلت لأهل العريس إنك عندك مشاكل نفسية من زمان علشان لو قلتي أي حاجة ما حدش يصدقك.
ساعتها عرفت إن الموضوع أكبر من فستان.
كانوا مجهزين المسرحية كلها.
أي كلمة هقولها
هتتحسب عليا.
فقعدت ساكتة.
في آخر طرابيزة بعيد.
جنب باب المطبخ.
وبدأت أعد الدقايق علشان أمشي.
لكن قبل ما أقوم
لقيت ست كبيرة جاية ناحيتي.
كانت جدة العريس.
ست وقورة.
وكل الناس عاملالها ألف حساب.
قعدت جنبي.
وبصتلي
نظرة طويلة.
وقالت
إنتِ اللي كنتِ بتروحي لجدتك كل يوم في المستشفى؟
اتجمدت مكاني.
آه.
هزت راسها.
وقالت
وإنتِ اللي دفعتي مصاريف علاجها؟
بصيتلها بدهشة.
حضرتك عرفتي منين؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
وقالت
لأني من النوع اللي بيسأل ويبحث قبل ما يوافق يدخل حد لعيلته.
في اللحظة دي
وش أختي اتغير.
وماما قامت من مكانها بسرعة.
كأنها عرفت إن في حاجة جاية.
لكن الجدة ما بصتلهمش حتى.
فضلت مركزة معايا.
وبعدين سألت السؤال اللي خلّى القاعة كلها تسكت
لو أختك فعلًا مهندسة وصاحبة الشركة ممكن تشرحلنا اسم المشروع اللي أخد عليه جايزة العام اللي فات؟
المشكلة إن الجايزة دي كانت أكبر جائزة في مجال الهندسة المدنية على مستوى الجمهورية، وحصلت عليها أنا شخصياً قبل سنة بالظبط، عن مشروع المدن المستدامة، وهو مشروع كرست له سنتين كاملين من عمري، درست فيه، وبحثت، ونفذت فيه نماذج، وشاركت فيه في مؤتمرات عالمية، وظهر اسمي في الصحف والمجلات المتخصصة، وحتى تم تكريمي من وزير الإسكان وقتها.
لكن رانيا لم تكن تعرف أي تفاصيل عنه. لم تكن تعرف اسمه، ولا طبيعته، ولا حتى متى حصلت عليه. كل ما كانت تعرفه هو أنني ناجحة وعندها شهرة، فحاولت تلبس ثوب نجاحي لتلمع أمام عائلة العريس الغنية، وتظهر وكأنها ليست مجرد فتاة عادية، بل هي أيضاً ذات شأن ومكانة.
الصمت خيم على القاعة كلها فوراً. الموسيقى
اللي كانت شغالة بهدوء توقفت، والضحكات اختفت، وكل العيون اتجهت ناحية رانيا، اللي كانت واقفة بجانب عريسها، ووجهها تحول لونها فجأة للأحمر ثم شحب بسرعة، وكأن الدم انسحب من جسدها دفعة واحدة.
ترددت رانيا، وفتحت فمها، لكن الكلام لم يخرج. حاولت تبتسم ابتسامة مصطنعة، وقالت بصوت متقطع ومتوتر إيه إيه المشروع ده؟ آه طبعاً ده المشروع اللي اللي كنت بشتغل عليه فترة طويلة
قاطعتها جدة العريس بهدوء وثبات، دون أن ترفع صوتها، لكن نبرتها كانت تحمل سلطة وحكمة لا يمكن تجاهلها مش عايزة كلام عام يا بنتي. كل واحد بيشتغل بيعرف تفاصيل شغله. إسمه إيه؟ وإيه فكرته الأساسية؟ وإيه اللي خلاها مميزة لدرجة إنها أخذت الجائزة؟
ازداد ارتباك رانيا، ونظرت بسرعة ناحية أمي، وكأنها تطلب منها النجدة، لكن أمي نفسها كانت واقفة، وشفتيها مضغوطتين، وعينيها تتحرك بين الجدة وبين رانيا، وهي تعلم أن الكذب بدأ ينكشف أمام الجميع.
تدخلت أمي بسرعة، محاولة تغيير مجرى الحديث، وقالت بصوت عالي شوية يا ست الكل، ما يهمش التفاصيل دلوقتي، ده يوم فرح، كلنا مبسوطين، خلينا نكمل الحفلة!
لكن الجدة لم تلتفت إليها، وظلت عيناها مثبتتين على رانيا، وقالت بجدية لا يا سيدتي، يهم. لما بنقول إن حد عنده إنجاز، لازم نعرف إيه هو. عيلتنا مش بتتجوز على كلام معسول، ولا على مظاهر. إحنا بنعرف مين اللي قدامنا كويس
جداً قبل ما ندخله بيتنا.
في تلك اللحظة، شعرت وكأن الحواجز التي بنوها حولي بدأت تنهار. نظرت إلى رانيا، ثم إلى أمي،
وكل ما مررت به من إهمال وظلم وسنين طويلة من التضحية دون تقدير،
لمحة نيوز

مر أمام عيني. لكنني قررت أن أظل هادئة، وأترك الحقائق تتحدث عن نفسها.
حاول رانيا الهروب من السؤال، وقالت أنا آسفة، الموضوع ده قديم شوية، والتفاصيل كتير، ومش فاكراها دلوقتي
ابتسمت الجدة ابتسامة باردة، وقالت قديم؟ ده حصل السنة اللي فاتت، وكل الصحف كتبت عنه، وحتى فيديو التكريم موجود على الإنترنت. إزاي اللي بيعمل حاجة زي دي ينسى تفاصيلها بسرعة؟
التفتت الجدة ناحيتي، ونظرت إلي بنظرة دافئة ومشجعة، وقالت وأنتِ يا بنتي؟ بما إنك قالت إنك تعرفيها، ممكن تشرحي لنا؟
شعرت بأن جميع الأعين تحولت ناحيتي. شعرت بنظرات الفضول، ونظرات التعجب، ونظرات الانتظار. حتى عريس رانيا ووالديه كانوا ينظرون بتركيز، وبدأت تظهر عليهم علامات الاستغراب والشك.
أخذت نفساً عميقاً، وبدأت أتكلم بصوت هادئ وواضح يسمعه كل من في القاعة المشروع اسمه المدن المستدامة الموفرة للطاقة، والفكرة بتاعته إننا نصمم وحدات سكنية ومرافق عامة بتستخدم مواد بناء صديقة للبيئة، وبتعتمد على الطاقة الشمسية والرياح بدلاً من الكهرباء العادية، وده بيخفض تكلفة المعيشة لأصحاب الدخل المحدود بنسبة كبيرة جداً، وبيحافظ على البيئة في نفس الوقت. الدراسة استغرقت
سنتين، وعملنا فيها مسوحات ميدانية في محافظات مختلفة، واختبرنا المواد في معامل متخصصة، وشاركنا بها في مؤتمر دولي في دبي، وبعدها حصلنا على الجائزة من المجلس الأعلى للبحوث الهندسية.
سكتت لحظة، ثم أكملت بهدوء والجائزة دي، حصلت عليها أنا، مريم عادل، قبل سنة بالظبط، واسمي مكتوب في كل الوثائق الرسمية، وفي الصحف، وعلى موقع الوزارة الرسمي.
انطلقت همسات من جميع أنحاء القاعة. بدأ الناس ينظرون إلى رانيا، ثم إليّ، وبدأوا يربطون بين الكلام وبين ما يرونه. شعرت أمي بالحرج الشديد، وبدأت وجهها يحمر، وحاولت مرة أخرى التدخل كلام فارغ، دي بتتخيل، هي عندها مشاكل في الذاكرة، زي ما قلت لكم
قاطعتها الجدة بحدة لأول مرة مشاكل ذاكرة؟ البنت بتتكلم بكل تفاصيل دقيقة، وبتعرف إسم المشروع، وهدفه، ومراحل تنفيذه، ومكان التكريم. أما اللي قالت إنها صاحبته، فمش عارفة حتى إسمه. إزاي بنصدق إن اللي بتتكلم الحقيقة هي اللي عندها مشاكل، واللي مش عارفة تتكلم هي الصح؟
التفتت الجدة إلى أمي، وقالت بنبرة صارمة وقبل كده، سألت عن جدتكم، وعرفت إن البنت دي هي اللي كانت تروح لها كل يوم، وتقعد معاها، وتدفع مصاريف علاجها من مرتبها الخاص، لما كانت البنت التانية مشغولة دايماً بحجج واهية. عرفت إنها
هي اللي كانت شايلة عبء البيت كله لما أبوها تعب، وهي اللي بنت نفسها بنفسها، وعملت اسمها في مجالها، من غير مساعدة من حد. وكل ده، وانتوا جايين تقولوا إنها مش مستقرة نفسياً؟ ولبستوها فستان غير لائق عشان تظهروها بشكل سيء؟
شعرت بالدموع تتجمع في عيني، لكنني تماسكت. لم أكن أتوقع أن تأتي العدالة من شخص غريب، وليس من أهلي الذين من المفترض أن يكونوا أقرب الناس إليّ.
لم يكتفِ كلام الجدة، بل بدأت تفاصيل أخرى تظهر. كان هناك بين الحضور أحد المهندسين المعروفين، وهو يعمل في نفس المجال، ويعرفني جيداً. تقدم إلى الأمام، وقال بصوت عالٍ أنا أؤكد كلامها. الأستاذة مريم هي مهندسة متميزة جداً، وشركتها معروفة في السوق، والمشروع ده فعلاً من أعمالها، وكلنا نعرف ذلك. أما الأخت العروس، فلم أسمع باسمها أبداً في أي مجال عمل.
ازدادت حدة الموقف، وبدأ أقارب العريس ينظرون إلى رانيا وأمي بنظرات مختلفة. بدأوا يدركون أن هناك محاولة لتضليلهم، وتقديم صورة غير حقيقية عن العروس وعائلتها.
عريس رانيا، الذي كان يبدو هادئاً حتى تلك اللحظة، التفت إليها، وقال بصوت هادئ لكنه يحمل خيبة أمل كبيرة إيه الكلام ده يا رانيا؟ كل اللي قلتيه لنا عن نفسك، وعن دراستك، وعن إنجازاتك، كان كذب؟
ارتجفت رانيا،
وبدأت تبكي، وحاولت الاعتذار أنا أنا كنت عايزة أكون كويسة في نظركم، كنت خايفة إنكم ترفضوني
ردت عليه والدته، وهي سيدة وقورة أيضاً الحب والزواج مش بيقام على الكذب يا بنتي. كنا هنقبل فيكِ بكل حالك، لو كنتِ قلتي الحقيقة. لكن إنك تاخدي إنجازات أختك وتلبسيها لنفسك، وإنكم تحاولوا تشوهوا صورتها عشان محدش يكتشف الحقيقة، ده شيء مش مقبول أبداً.
نظرت أمي حولها، وشعرت بالخزي الشديد، لكنها حاولت الدفاع عن نفسها بطريقة غريبة ده بس عشان ما نحسدها، وعشان رانيا ما تحس بالنقص
قاطعتها الجدة بقوة عشان ما تحس بالنقص؟ فالنقص بييجي من إنك تاخدي حق غيرك؟ والبنت التانية، اللي تعبت وكافحت، ليه تستحق إنكم تكسروا نفسيتها، وتشوهوا صورتها، وتجعلوها تبدو وكأنها مجنونة؟ ده عدل؟ ده دين؟ ده تربية؟
لم يكن هناك رد. الصمت كان هو الجواب الوحيد. كل الكلام انقطع، وكل الحجج سقطت أمام الحقائق الواضحة.
تقدمت الجدة ناحيتي، ووضعت يدها على كتفي، وقالت لي بصوت دافئ تعالي معايا يا بنتي. مش محتاجة تقعدي هنا في آخر الطاولة، ولا تحسي إنك غريبة. أنتِ ضيفة شريفة، وأنتِ الأقرب للعدل والحق.
سارت معها إلى المكان الرئيسي، وبدأت بعض السيدات المحترمات في العائلة يقتربن مني، ويسألن عن عملي، ويعبرن
عن إعجابهن بما سمعنه. شعرت للمرة الأولى

وكأنني موجودة، وكأنني إنسان له قيمة، وليس مجرد ظل لأختي.
أما الحفلة، فقد تغير جوها تماماً. الفرح الذي كان يملأ المكان تحول إلى جو من الارتباك والجدال. عائلة العريس اجتمعت في جانب، وتحدثوا مع بعضهم البعض، بينما وقفت

رانيا تبكي وتحاول تبرير موقفها، وأمي كانت واقفة صامتة، تشعر بثقل ما فعلته.
في تلك اللحظة، شعرت أن حملاً ثقيلاً جداً قد انزاح من قلبي. لم أعد أشعر بالحاجة لإثبات شيء لأحد، ولا لانتظار التقدير من أهلي. الحقيقة خرجت، والجميع عرفوا من هي مريم، ومن هي رانيا.
بعد مرور وقت، اقتربت مني رانيا، وعينيها مليئة بالدموع، وقالت بصوت واطي مليء بالندم أنا آسفة يا مريم أنا كنت دايماً أحس إنك أحسن مني، وإن الكل بيشوفك أحسن، فكنت بحاول أكون زيك، لكن بطريقة غلط. وماما كانت بتشجعني، بتقولي إنك قوية ومش هتتأثري، وإن ده عشان مصلحتي.
نظرت إليها، وقلت بهدوء الفرق بيننا يا رانيا مش في النجاح، ولا في الشكل، ولا في الحب. الفرق إنك اخترتي الطريق السهل، طريق
الكذب وأخذ تعب غيرك، بدل ما تعملي تعبك بنفسك. وماما غلطت لما شجعتك على الظلم، وغلطت أكتر لما ظلمتني عشانك. لكن كل شيء وصل لنهايته دلوقتي.
اقتربت أمي، وكانت تبدو منهكة ومتأثرة، وقالت بصوت متقطع أنا أنا مش عارفة أقول إيه كنت بحبكم الإثنين، بس كنت شايفة إنك قوية، وإنك تقدري تتحملي، وإن رانيا أضعف، فكنت بحاول أحميها، بس ما كنتش أعرف إنني بظلمك، وإنني بهدم شيء أكبر من كده سامحيني يا بنتي.
شعرت بغصة في قلبي. لم يكن من السهل أن أسامح فوراً، لكنني قلت لها السماح شيء بييجي مع الوقت، لكن المهم إنكم تعرفوا غلطكم. النجاح مش بيتلبس زي الفستان، ولا بياخد من حد. النجاح بيتعمل بتعب وجهد وصدق، والسمعة أحسن من أي فرح أو أي زواج.
لم يستمر الفرح طويلاً بالشكل المخطط له. عائلة العريس قررت تأجيل إتمام مراسم العقد الرسمي، وطلبوا وقتاً للتفكير، حيث شعروا أن هناك غموضاً وعدم وضوح في الأمور. عاد الضيوف ببطء، وكل واحد منهم يحكي ما سمعه ورآه، وانتشرت القصة بسرعة بين المعارف.
أما أنا، فقد غادرت المكان وأنا أشعر براحة لم أشعر بها منذ سنوات. عدت إلى بيتي، وخلعت ذلك الفستان البرتقالي الذي كان رمزاً لمحاولة إهانتي، وارتديت ملابسي العادية، وجلست أفكر في كل ما حدث.
بعد أيام، تلقيت اتصالاً من جدة العريس، طلبت مقابلتي. ذهبت إليها في بيتها الكبير الهادئ، واستقبلتني بكل ترحاب، وقالت لي أنا معجبة جداً بك يا مريم. رأيت فيكِ الصدق، والكرامة، والقدرة على التحمل، والاحترام. وكنتِ هادئة رغم كل ما تعرضتِ له، ولم تحاولي إيذاء أختك رغم ما فعلته.
شكرتها على لطفها، فأكملت أنا سألت عنكِ أكثر، وعرفت إنكِ مهندسة ناجحة، وشركتك تكبر يوماً بعد يوم، وإنكِ بنيتِ نفسكِ بجدارة. وحتى لو لم يتم الزواج بين رانيا وحفيدي، فأنا أعتبركِ إنسانة تستحق كل احترام.
مرت الأيام، واتضح أن الزواج لن يتم. قرر حفيد الجدة أن يتراجع، لأنه شعر أن بداية الحياة الزوجية لا يمكن أن تقوم على الكذب والخداع. تأثرت رانيا كثيراً، وبدأت تدرك أن الطريق الذي سلكته كان خاطئاً
تماماً. بدأت تشعر بالندم الحقيقي، وقررت أن تبدأ من جديد، أن تدرس، وأن تبني مستقبلها بجهودها الخاصة، دون أن تعتمد على أحد أو تسرق مجهود غيرها.
أمي أيضاً تغيرت، وبدأت تعاملني باحترام وتقدير، وبدأت تدرك أن الحب لا يعني التحيز، بل يعني العدل. اعتذرت مني مراراً، وحاولت تعويضي بكل الطرق، وإن كان الجرح لا يلتئم بسرعة، لكن الأبواب بدأت تفتح للحوار والتفاهم.
أما أنا، فقد استمريت في نجاحي، وازدادت ثقتي بنفسي، وازدادت سمعة شركتي. أصبحت مثالاً للكثيرين، وكنت دائماً أقول لمن يسألني لا تسمح لأحد أن يقلل من قيمتك، ولا يسرق مجهودك، ولا يلبسك ثوباً لا يليق بك. الحقيقة وإن طال الزمن، ستظهر، والعدل وإن تأخر، سيأتي. والأهم من كل شيء، أن تكون على طبيعتك، وتعيش بصدق، فهذا هو النجاح الحقيقي.
وهكذا، تحولت محاولة الإهانة والتشويه إلى بداية لظهور الحقيقة، وبداية لعلاقات جديدة مبنية على الاحترام، ودرس كبير تعلمته العائلة بأكملها، وأثبتت أن الكذب لا يدوم، وأن الحق يعلو
ولا يُعلى عليه.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *