حكايات امانى السيد 4

أما الابن الأصغر، فقد صار شبه مهبول يتجول في أزقة الحي، يرثي حاله، ويقتنص حسنات المحسنين، ويردد أمام الناس كلمات غير مفهومة عن الشرف والعز والنسب، وكأن عقله لم يحتمل الصدمة الناتجة عن سقوطه المدوي من برج غروره إلى القاع.
أصبح البناء القديم حكاية يتداولها أهالي الحي في مجالسهم؛ كيف تحولت العمارة التي كانت تضج بالتكبر والافتراء إلى خراب يثير الرحمة، وكيف صارت الفتاة التي داس الجميع كرامتها هي السند الوحيد، واليد الرحيمة التي مسحت آلام هذه العائلة في أواخر أيامها.
وقفت زوجة الابن الوسطاني في المساء عند نافذة شقتها السفلى، تنظر إلى الشارع الهادئ. لم يكن في وجهها أي أثر للغرور أو الشماتة، بل كان يحمل هدوء القناعة والرضا. لقد دارت الدائرة كاملة، ورأى الجميع كيف يمهل الله الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وكيف يجعل من المستضعفين أئمة ويجعلهم الوارثين.
تطلع الشاب المهندس إلى أمه، ووضع يده على كتفها بحب وقبل رأسها، ثم قال لها: “يا أمي.. أخيرًا انتهى الكابوس، وأصبح الجميع يعلم من هي الخادمة ومن هي السيدة”.
ابتسمت الأم ابتسامة هادئة، ونظرت إلى السماء وقالت بصوت واثق: “أنا لم أكن يوماً خادمة يا بني.. أنا كنتُ صابرة، والصبر لا يضيع عند الله أبداً”.
مرّت السنون متتابعة كأضغاث أحلام، واستقرت العمارة القديمة في ثوبها الأخير؛ هيكلاً أسمنتياً يجمع بين أطلال الماضي الداكن وشعاع الضوء الوحيد المنبعث من طابقها السفلي. كبرت الفتاة الصغيرة — الابنة الصغرى لزوجة الابن الوسطاني — وصارت في سنتها الأخيرة بكلية الطب، تسير على خطى أخيها المهندس، لتتوج صمود هذه الأم بتخرج ولد وبنت أثبتا للجميع أن الأصل الحقيقي يُبنى بالتربية والصبر، لا بالشعارات الزائفة ولا بالحسب والنسب الفارغ.
أما الابن الأصغر، الذي انتهى به المطاف مشرد النفس والجسد، فقد ساءت حالته الذهنية والصحية حتى عُثر عليه مغشياً عليه في أحد أزقة الحي في ليلة مطيرة. لم يجد أحداً يلمس جراحه أو يحمله سوى ابن أخيه المهندس الشاب. حمله الشاب على ظهريه، بنفس الجسد الذي زرعت فيه أمه القوة والأنفة، وأدخله غرفته الصغيرة الملحقة بالعمارة. هناك، كانت زوجة الوسطاني تضع له المشروبات الدافئة وتضماد جراحه، دون أن تفكر لثانية واحدة في كل الإهانات التي وجهها إليها يوماً مع زوجته المطلقة.


