حكايات امانى السيد 3

أمام ثباتها وقوة موقفها القانوني، فشلت كل محاولات الأخوين لبيع العمارة أو الاستفادة منها. زادت الضغوط المالية على الابن الأكبر حتى صدر ضد حكم نهائي بالحبس في إحدى قضايا التبديد، واضطر للفرار خارج المحافظة كلياً، ليعيش طريداً بلا اسم ولا هوية في إحدى المناطق العشوائية النائية، يعمل في أعمال شاقة يومية ليعود في المساء إلى حجرة مظلمة يستأجرها باليومية، أثقلته الديون وطاردته الكوابيس.

أما الابن الأصغر، فقد انتهى به المطاف ببيع كل ما يملك من منقولات شخصية لسداد بعض ديونه، وترك العمل في الورشة بعدما تخاصم مع صاحبها، وصار يتردد على المقاهي والمفارش في الطرقات، يتكفف الناس أحياناً ويسألهم المعونة، بعد أن كان يتباهى بأصله الرفيع وزوجته ذات النسب والعز.

ولم يبقَ في العمارة العتيقة برمتها سوى الابن الوسطاني، وزوجته السابقة، وطفليهما.

لم يعودا لبعضهما كزوج وزوجة؛ فالشرخ الذي أحدثته في قلوبهم سنوات الظلم والإهانة كان أعمق من أن ترممه الأيام. لكنهما عاشا في جو من الاحترام المتبادل الغريب. كان هو يسكن في الغرفة الصغيرة السفلى الملحقة بالبيت، يخرج في الصباح الباكر ليعمل في ورشة نجارة قريبة، ويعود في المساء ليضع كل ما يكسبه تحت باب شقة زوجته لتنفق منه على البيت والأطفال، دون أن يطلب الامتيازات أو يفرض وجوده.

كان يتناول طعامه وحده على درج السلم، نفس الدرج الذي كانت زوجته تمسحه يوماً وهي تبكي. كان يجلس هناك في الظلام، ينظر إلى الباب المغلق، ويستمع إلى صوت ابنه وهو يقرأ دروسه في الصالة، فيبتسم ابتسامة باهتة ويقول لنفسه: “الحمد لله الذي جعلهم في أمان.. والحمد لله الذي أخذ حقهم منا في الدنيا قبل الآخرة”.

وفي أحد أيام الربيع، مررتُ طيفاً بذاكرة الشارع الذي كان يضج بذكراي. كانت الشقق العليا (شقتي وشقة الأكبر وشقة الأصغر) مظلمة تماماً، علاها الغبار وشُمعت أبوابها من قبل المحاكم والمرتهنين، وصارت تسكنها البوم والأشباح. بينما كانت الشقة السفلى تشرق في كل صباح بضوء الشمس، وتخرج منها روائح الطعام الزكية، وينطلق منها طفل الابن الوسطاني متجهاً إلى مدرسته بخطى واثقة، تحفه دعوات أمه النبال.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *