حكايات امانى السيد 3

توفيتُ وفي قلبي حسرة، وخلّفتُ وراءي دماراً شاملاً لعائلة أكلتها النعرة الكاذبة، وقصة تُحكى بين الناس عن دار كان عامرًا بالظلم، فأصبح خاوياً على عروشه بعدما استجاب الله لدعوة امرأة مظلومة.
غابت الشطب الخضراء التي كانت تكسو روح هذا البيت، وجاء الخريف البارد ليلف عمارة العز القديم برداء من الصمت الموحش. لم يكن موتي سوى القشة التي قصمت ظهر ما تبقى من روابط واهية بين أبنائي؛ إذ فتح رحيلي أبواباً جديدة من الصراع على الإرث والأنقاض، وتجلت فيه البشاعة في أبهى صورها.
أقيم سرادق العزاء في الشارع أمام الباب الرئيسي، وكان عزاءً باهتاً خالياً من الروح. أتى الابن الأكبر متخفياً في ملابس رثة، يتلفت حوله خوفاً من أن يتصيده الدائنون أو الشرطة بين المعزين، وقضى ساعات العزاء جالساً في زوايا الظلام ينكس رأسه. أما الابن الأصغر، فجاء ومعه زمرة من معارفه الجدد من أصحاب الورش، يبدو عليه الإعياء وكسرة النفس، ولم يتحدث مع أخيه الأكبر سوى بكلمات رسمية اقتضتها الموقف.
أما الابن الوسطاني، فقد وصل متأخراً في منتصف الليل بعد أن انتهى العزاء وانفض الناس. جاء يسير بخطوات ثقيلة كأنما يجر سلاسل من حديد، يرتدي جلباباً صعيدياً خشناً علق به غبار المصنع ونار الهجير. لم يدخل الشقة العليا التي احتضنت جثماني، بل جثا على ركبتيه عند الدرجة الأولى من السلم، ووضع رأسه بين يديه وأخذ يبكي بصوت خفيض يقطع شغاف القلوب. بكى ليس فقط على أم رحلت، بل على بيت انهار، وعلى شباب ضاع في أروقة الظلم والانسياق الباطل.
خرجت زوجته السابقة من الشقة السفلى حين سمعت صوت حشرجته. وقفت على العتبة تحفه بنظرة ملؤها الأسى والشفقة، ولم تتفوه بكلمة زجر أو عتاب. أخرجت له كوباً من الماء وشالاً ليتقي به برودة الليل، ووضعتهما بجواره على الدرجة ثم انسحبت في صمت نبالة النفوذ. نظر هو إلى الكوب والملفوف، وعرف أن كرمها هذا هو أشد أنواع العقاب لضميره الميت الذي استيقظ متأخراً جداً.
في اليوم التالي لدفني، بدأت ملحمة الإرث. التقاط الأنفاس لم يكن ممكناً للأخوين؛ الأكبر والأصغر. صعدا إلى شقتي المغبرة، وبدأوا يفتشون في الأدراج والخزانات بعيون جشعة، يبحثون عن أوراق الملكية، أو قطعة ذهب خبأتها، أو بعض الأموال المخزونة. اختلفا فوراً عند دولاب ملابسي؛ الأكبر يطالب ببيع الشقة العليا فوراً لتسديد ديونه وسداد القضايا المرفوعة عليه من زوجته المطلقة، والأصغر يرفض ويصر على أن الشقة من حقه لأنه لا يملك مأوى بعدما طردته مطلقته من كل شيء.


