حكايات امانى السيد 3

تصاعد الشجار بينهما حتى سمع أهالي الشارع الأصوات. خرج الابن الوسطاني من غرفته السفلى، ووقف عند منتصف السلم ينظر إليهما بجمود مقيت. صرخ فيهما بصوت جاف كالصحراء: “ألم تجفا دماء أمكما بعد؟ ألم تتعظا مما حل بنا؟ البيت انخرب، والعائلة تشتتت، وأولادنا صاروا أيتاماً وأمهاتهم تشردت، وأنتم تتصارعون على جدران أسمنتية بناها أبي بعرقه ودمرناها بظلمنا؟”.

رد عليه الابن الأكبر بوقاحة وقسوة: “اسكت أنت يا من بعت بيتك وشقتك للمرأة التي أخذت أطفالك! أنت خارج هذه الحسبة، لست رجلاً لنأخذ برأيك، اذهب وعد إلى مصنع الطوب وأتركنا لنحل مشاكلنا!”.

لم يغضب الابن الوسطاني، ولم يرفع يده ليدافع عن نفسه، بل هز رأسه بابتسامة مكسورة وقال: “نعم.. أنا لست رجلاً لأنني تركتكم تظلمون زوجتي وأبنائي وأنا صامت، ولأنني نسيت الله فأنساني نفسي. لكنني لن أسمح لكم ببيع هذا السقف أو المساس بالشقة السفلى التي تقيم فيها زوجتي وأولادي. هذا البيت سيبقى كما هو، شواهد على خزينا حتى نلقى الله”.

لكن الشغف بالمال والهروب من العقاب جعل الأخوين يتعاونان ضده. رفعت زوجة الابن الأكبر دعاوى قضائية جديدة للحجز على ممتلكات البيت، بينما بدأ الابن الأصغر يجلب تجار العقارات لمعاينة العمارة لبيعها بأسعار بخسة كـ”بيت ورثة متنازع عليه”.

خلال أسابيع قليلة، أصبح بيتنا العالي محط أطماع السماسرة والغرباء. يتناوب التجار على دخول الممر، يقيسون الجدران بوقاحة، وينظرون إلى الشقق المظلمة بعيون مشتهاة. وكان أشد ما يمزق القلب هو دخولهم للتحقيق في موقف الشقة السفلى، محاولين المساومة على إخراج زوجة الابن الوسطاني وأطفالها بحجة أن عقد التمكين الصادر لها يمكن طعنه أو إبطاله بعد وفاة الجدة صاحبة العقار.

وهنا، تجلت أصالة المرأة التي أطلقتُ عليها يوماً لقب “الخادمة”. لم تتنصل من حماية بيتها وكرامة أطفالها. جمعت كل أوراقها الرسمية، واستعانت بأخيها الذي وقف كالسد المنيع أمام السماسرة والأخوة الجشعين. رفضت أي مساومة مالية للخروج من الشقة، وقالت أمام الجميع وفي قلب الشارع: “هذه الشقة ليست مجرد جدران أو حجر، هذه الشقة هي المكان الذي أهنتُ فيه سنوات، وهي المكان الذي رد الله لي فيه كرامتي وكرامة ولدي بالقانون والعدل. لن أتركها لتباع في مزاد الظلم، ولن أسمح لأحد بأن يشرّد أولادي مرة أخرى!”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *