مرتب الزوجه ج3
جريت أنا وعصام على أخويا، وعينينا متعلقة بشاشة التليفون اللي كان ماسكه وإيده بـ تترعش. أول ما بصيت على الشاشة، شوفت بوست الحاج فوزي صاحب العمارة، كاتب فيه:
“تم بحمد الله بيع الشقة رقم (4) بالدور الثاني تمليك كاش، ونعتذر للسكان الأفاضل عن عدم تجديد الإيجار، مع تمنياتنا للمالك الجديد بالتوفيق والسداد.”
بس الصدمة الحقيقية مكانتش في الكلام.. الصدمة كانت في الصورة اللي الحاج فوزي نشرها مع البوست! كانت صورة لعقد البيع النهائي، ومكتوب فيه اسم المالك الجديد للشقة بوضوح.. المالك الجديد مكنش راجل غريب، ولا مستثمر كاش زي ما الحاج فوزي فهمنا في الصالة.. المالك الجديد كان “حمايا”، والد عصام!
عصام حط إيده على راسه وبقى بيبص للشاشة وهو مش مصدق، وصوت أنفاسه بقى عالي من كتر الذهول: “أبويا؟ أبويا اشترى الشقة تمليك؟ طب إزاي؟ وليه عمل الحوار ده كله مع الحاج فوزي والمحامي وجيه لحد عندنا يطردنا؟!”
أنا في اللحظة دي، فهمت كل حاجة.. شريط الليلة اللي فاتت عدا قدام عيني، وافتكرت نظرات حمايا الذكية وحركته بالعصاية في الأرض لما قال لعصام “شيل شيلتك يا بطل ووريني هتعمل إيه”. حمايا مكنش جاي يتفرج، حمايا راجل صعيدي قديم وأصيل، ولما لقى ابنه بيتبطر على النعمة وبيتقوى بفلوسه على مراته، قرر يربيه ويعلمه أدب البيوت، بس على طريقته الكبيرة اللي متخرش المية!
بصيت لعصام وقولتله بابتسامة ذهول: “أبوك عمل فيك فخ يا عصام.. أبوك اشترى الشقة عشان يضمن إننا مانتهدش في الشارع، بس اتفق مع الحاج فوزي يعمل الفيلم ده كله قدامك عشان يكسر غرورك، ويخليك تحس بقيمة اللقمة والبيت والست اللي كانت شايلاك!”
عصام قعد على الكرسي في ممر المستشفى، وشه كان جايب ألوان، مابين الصدمة، والإحراج، والارتياح الشديد إننا مش هنطرد.. بس الإحراج من أبوه كان مغرقه. بص للأرض وقال بصوت مخنوق: “يااااه يا بويا.. صغرتني قوي قدام نفسي.. بس عندك حق، أنا كنت استاهل أكتر من كده.”
في نفس اللحظة، تليفون عصام رن.. وكان المتصل هو “حمايا”.
عصام فتح الخط وإيده بـ تترعش، وفتح الاسبيكر من غير ما يقصد من كتر اللخبطة. سمعنا صوت حمايا الجهوري والوقور وهو بيقول بنبرة حاسمة وكلها هيبة:
“عرفت يا أبو مروان؟ شوفت العقد؟ الشقة بقت ملكي، يعني ملك ابنك مروان من بعدي.. أنا مش هطردك يا ولد، بس الشقة دي إيجارها القديم اللي كنت بتدفعه للحاج فوزي، هتدفعه من هنا ورايح لمرأتك دكتورتك في إيدها كل أول شهر، تحطه في حساب مروان.. عشان تعرف إن البيوت مبتمشيش بالنيابة والتقسيم، البيوت بتمشي بالفضل والرحمة. وأمك وأختك شيماء بايتين مع هنا انهارده في المستشفى، وانت تاخد مرأتك وابنك وترجعوا بيتكم، والصبح تجيلي البيت تبوس على راس مرأتك وتعتذر لها قدام الكل.. فهمت ولا لسه محتاج درس تاني يا ابن فوزية؟”
دموع عصام نزلت لأول مرة، وقال بصوت متحشرج: “فهمت يا بويا.. فهمت والله.. جزمتك فوق راسي، وحقك عليا وحقها عليا.”
قفل حمايا الخط، وعصام لف وشه ليا، مسك إيدي وباسها قدام أخويا وفي ممر المستشفى وهو بيقول وعينيه مليانة دموع ندم حقيقية: “سامحيني يا بنت الأصول.. أنا اتميت عمى، والقرش كان هيضيعني.. لولا إن ربنا بيحبني ورزقني بأب زيك وزي أبويا كان زماني خسرتك وخسرت ابني.”
حسيت بغسيل جوه قلبي، والوجع والغيظ اللي عشتهم الـ 48 ساعة اللي فاتوا اتبخروا تماماً. هزيت راسي وقولتله: “المهم تكون اتعلمت يا عصام.. احنا سند لبعض، ومش معنى إني بساعدك إن ده فرض عليا، أو إن مالي مبقاش مالي.”
أخويا ابتسم وطبطب على ضهر عصام وقال: “حصل خير يا جماعة، يلا بينا نطمن على هنا عشان نرجعكم البيت ترتاحوا.”
دخلنا أوضة هنا، ولقينا حماتي وشيماء قاعدين جنبها، وهنا بدأت تفوق وتتكلم بتعب. عصام قرب من هنا وباس راسها وقالها: “حمد الله على سلامتك يا أم لسان طويل.. تليفونك وتليفون شيماء واصلين لحد عندكم، وأي حاجة تعوزيها أنا رقبتي سدادة ليها.” وهنا ابتسمت بتعب وقالتله: “الله يسلمك يا جوز أختي يا أصيل.”
على الساعة 4 الفجر، رجعنا بيتنا. فتحنا الباب، ودخلت الشقة اللي كانت من كام ساعة هتقفل في وشنا.. بس المرة دي دخلناها واحنا عيلة تانية خالص، عيلة اتعلمت الدرس الصعب. حطيت مروان في سريره، وعصام دخل ورايا، ولسه بنقفل باب الأوضة وبنقول الحمد لله المحنة عدت على خير.. لقيت تليفوني الشخصي بيتبعت عليه رسالة غريبة جداً من رقم مجهول.. رسالة خلت جسمي كله يتفض من الرعب، وعرفت إن فيه سر تاني أسود مكنتش أعرفه عن عصام وعن الفلوس اللي كان بيخبيها عليا.. الرسالة كشفت حاجة مكانتش تخطر على بال أجدع شيطان…
وقفت في نص الأوضة، جسمي كله اتجمد، والتليفون كاد يقع من إيدي من كتر الرعب والصدمة. عصام لاحظ تغير ملامحي الخاطف، وقرب مني بقلق وهو بيحط إيده على كتفي: “في إيه يا دكتورة؟ وشك جاب ألوان ليه كده وليه بتترعشي؟”
حاولت أتمالك نفسي وأخبي الشاشة عنه، وقولت بصوت متحشرج: “لا.. مفيش، ده تذكير بشغل الصبح في العيادة.” سكت عصام وهو مش مقتنع، بس سابني ودخل الحمام يغير هدومه. في اللحظة دي، دخلت بلكونة الصالة وقفلت الباب ورايا، وفتحت الرسالة المجهولة تاني وأنا مش مصدقة اللي عيني بقرأه.
الرسالة كانت من رقم دولي، ومكتوب فيها بالحرف:
“يا دكتورة، جوزك عصام مش بيبعزق فلوسه ولا بخيل زي ما انتي فاكرة، جوزك شاري شقة تمليك باسم واحدة تانية في التجمع الخامس من سنة كاملة! والست دي كلمتني وبتقول إنها مراته وليها حق في كل قرش بيدخل جيبه. لو مش مصدقاني، افتحي اللاب توب القديم بتاعه اللي شيله في كرتونة فوق الدولاب، هتلاقي نسخة من عقد البيع وصورة قسيمة الجواز التانية! هو كان بيعمل معاكي حوار المصروف عشان يغطي الأقساط اللي عليه هناك!”
الدنيا لفت بيا، وحسيت إن الهوا اتقطع عن صدري. يعني كل الندم والدموع اللي شوفتها في المستشفى دي كانت تمثيل؟ يعني الحِمل اللي كنت شايلاه معاه وسكوتي على قلة ماله كان عشان بيروح يبني بيه بيت لست تانية ومن ورا ضهري؟!
البرود القاتل رجعلي تاني، بس المرة دي كان مخلوط بنار الغدر. دخلت الأوضة بخطوات زي الرصاص، وعصام كان لسه في الحمام. جبت كرسي، ووقفت عليه وبدأت أفتش فوق الدولاب لحد ما لقيت الكرتونة القديمة المتربة. فتحتها بسرعة وإيدي بـ ترعش، وطلعت اللاب توب القديم بتاعه.
فتحت اللاب توب، وفضلت أدور في الملفات المخفية بقلب مقبوض، لحد ما عيني وقعت على فايل مكتوب عليه “أوراق خاصة”. ضغطت كليكين، والملف فتح…
وهنا كانت الصدمة اللي طيرت اللي باقي من نفوخي! العقد كان قدام عيني، شقة في التجمع، والمشتري عصام.. بس الصدمة الأكبر والسر الأسود اللي مكنش يخطر على بال أجدع شيطان، مكنش إن عصام متجوز عليا.. الصدمة كانت في اسم الست اللي مكتوب اسمها كـ “زوجة ثانية” في العقد وقسيمة الجواز المرفوعة سكانر!
الاسم اللي مكتوب مكانش لواحدة غريبة.. الاسم ده كان صاعقة دمرت كل حاجة في حياتي، وخلتني أدرك إن المؤامرة كانت أكبر مني ومن بيتي بكتير، وإن أقرب الناس ليا هما اللي طعنوني في ضهري!
الاسم المكتوب في خانة الزوجة الثانية كان “منار”.. الصديقة المقربة لشيماء أخته، والست اللي كانت حماتي بتحاول تفرضها عليه قبل ما يتجوزني!
في اللحظة دي، انقشع الضباب عن كل حاجة. عرفت ليه حماتي لوت بوزها لما جبت الهدية لشيماء، وعرفت ليه عصام اتجنن لما عرف إني صرفت فلوسي الخاصة على أختي؛ لأنه مكنش باصص لمصروف البيت أصلًا، هو كان محتاج كل مليم من مرتبي عشان يسد بيه عجز أقساط شقة التجمع اللي اتدبس فيها عشان يرضي طمع “منار” وأهلها، والظاهر إن الأقساط تقلت عليه الشهر ده فحب يلوقها فيا!
قفلت اللاب توب بكل هدوء.. الهدوء المرعب اللي بيسبق زلزال بيهد الجبال. رجعته مكانه في الكرتونة فوق الدولاب، ونزلت وقفت في نص الأوضة وعيني بقت زي الصوان.
خرج عصام من الحمام وهو بينشف شعره بالفوطة، وبصلي وابتسم ابتسامة هادية وقالي: “مالك يا حبيبتي واقفة كده ليه؟ مش يلا عشان نرتاح بعد اليوم الطويل ده؟”
بصيتله من فوق لتحت، وقولتله بنبرة خالية من أي مشاعر: “أنا مرتاحة يا عصام.. مرتاحة قوي كمان.. بس قبل ما ننام، خد كارت الفيزا ده.”
طلعت الكارت الخاص بحسابي البنكي الجديد وحطيتها في إيده. برّق عينه باستغراب وقالي: “بتاع إيه ده؟ مش قولنا خلاص قفلنا السيرة دي؟”
رديت عليه بابتسامة سخرية: “الكارت ده فيه بالظبط تمن “مؤخر الصداق” بتاعي، وفيه كمان تمن الفلوس اللي انت دفعتها انهارده في المستشفى لأختي هنا عشان ميبقاش ليك جمايل علينا.. والصبح يا ابن فوزية، زي ما أبوك قالك، هنروحله البيت.. بس مش عشان أعتذرلك.. عشان نطلق قدامه وتديني ابني مروان بالذوق، بدل ما أطلع على النيابة باللاب توب القديم بتاعك وبالمستندات اللي تثبت إنك كنت بتاخد مرتبي الحكومي وتزور توقيعي عشان تدفع أقساط شقة التجمع!”
عصام الفوطة وقعت من إيده، وشه اسودّ تمامًا وصوته اتقطع، وركبه خانته وقعد على السرير وهو بيبصلي برعب وكأنه شايف شبح.. حاول ينطق، حاول يكذب، بس شكل اللاب توب والملف السري اللي واجهته بيه قفلوا في وشه كل أبواب المواربة.
تاني يوم الصبح، كانت الصدمة في بيت حمايا مابتتوصفش. حمايا لما عرف الحقيقة منار وشقته، طرد عصام من بيته ومن العمارة كلها، وكتب الشقة اللي اشتراها باسم ابني مروان تمليك نهائي، وتعهد بإن كل حقوقي القانونية هتوصلني لحد عندي من غير المحاكم.
طلعت من التجربة دي بـ ابني، وبـ عيادتي وشغلي الخاص، وبـ كرامتي اللي محنيتهاش لراجل مبيصونش اللقمة.
### الحكمة من الحكاية
> **البيوت لا تُبنى بالاستغلال، والنساء لا يُشترين بالمسكنة.**
> أعظم درس تخرج بيه أي ست من الدينا دي، هو إن **”ذمتك المالية المستقلة وسندك من عملك وشقاكي”** هما درعك الحقيقي ضد غدر الأيام. المساعدة في البيت حب وفضل وليست فرضًا يُلزمكِ بالتنازل عن كرامتكِ أو أهلكِ.
> الست الأصيلة بتشيل جوزها في عينيها لو صانها، بس لازم تفضل عينيها مفتوحة.. عشان اللي بيتعود ياخد من غير ما يعرق، بيموت فيه الإحساس بالمسؤولية، والراجل اللي بيشوف كرم مراته “حق مكتسب” أو “بعزقة”، مبيستاهلش تعيشي معاه ثانية واحدة. السكوت مش دايما ضعف، ساعات بيكون هدوء لحد ما تجمعي كروتك الرابحة.. وتنهي اللعبة وانتي الكسبانة.
>