حكايات امانى السيد 2

خلال ستة أشهر فقط، تشتتت العائلة التي كنت أتبجح بها. ثلاثة أبناء: الأول سافر غريباً في أقصى البلاد يهرب من ذنبه، والثاني أصبح عاطلاً وملاحقاً بالأحكام القضائية، والثالث تطلّق وتدمرت حياته. أما الزوجات اللاتي كنت أتقرب منهن وأظن أنهن الواجهة الناصعة، فخرجت كل منهن تأخذ جزءاً من لحمنا وتلعن الساعة التي دخلت فيها بيتنا.
بقيتُ وحدي في شقتي المهجورة، لا يزورني سوى ابني الأكبر ليلقي عليّ بعض الخبز والمياه قبل أن يخرج ليتوارى عن أنظار الدائنين. كنتُ أستلقي في سريري، أسمع خطوات زوجة الابن الوسطاني في الشقة السفلى وهي تذهب بابنها إلى المدرسة وترجعه.
في إحدى الأمسيات، اشتد عليّ المرض وضيق التنفس، وشعرتُ بأن أنفاسي تتقطع وأن ملك الموت يقف عند رأسي. لم يكن في الشقة أحد، وكان ابني الأكبر غائباً. أخذتُ أصرخ بصوت خافت مجهد: “يا رب.. يا رب سامحني.. يا بني.. يا فلانة..”.
لم يستجب أحد، لكن الباب الخارجي للغرفة فُتح برفق. كانت هي.. زوجة الابن الوسطاني. كانت قد سمعت أنيني وحشرجة صدمتي من خلال منور العمارة.
دخلت بخطوات بطيئة، كانت ترتدي ثوبها الأسود ونقابها. لم تقل كلمة، ولم تنظر إليّ بشماتة، بل تقدمت نحو السرير بسرعة لما رأت حالتي. رفعت رأسي، وسقتني قطرات من الماء، ومسحت عرق جبيني بقطعة قماش بللتها بالماء البارد، ثم أخذت تدلك يدي الباردة وتدعو لي بالشفاء بصوت خفيض.
بكيتُ بحرقة حتى كادت روحي تخرج، وأمسكتُ بطرف ثوبها بكل ما بقي فيّ من قوة، وقلتُ بصوت يرتجف ويتوسل: ” سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا فلانة.. أنا التي ظلمتك، أنا التي كسرت نفسك وأخرجتك من بيتك، أنا التي جعلت ابنك يظن أنكِ خادمة.. سامحيني كي لا يطردني الله من رحمته!”.
نظرت إليّ بعينين دافقتين بالدموع، وعينها تحمل مزيجاً غريباً من الآلام القديمة والشفقة على حالي الهزيل، وقالت بنبرة قطعت شغاف قلبي: ” سامحتكِ لله يا حجة.. سامحتكِ لأنني لا أريد أن أقف أمام الله وأنا أحمل حسكِ في رقبتي، ولكني لم أستطع أن أنسى، ولن ينسى ابني الجرح الذي دخل قلبه. أنا سامحتكِ لتستريحي في مرضكِ، أما ما جرى في هذا البيت.. فكان عدل الله الذي لا مفر منه”.

