حكايات امانى السيد 2

سقطت دموعي الحارة على الوسادة. تذكرت كيف كانت زوجة الوسطاني تمسك يدي وهي تتألم من شدة التعب، وكيف كانت تصر على أن تحمم وتغير لي ملابسي حين أضعف، وكانت تبتسم وتقول: “حقك عليّ يا حجة، أنتِ بمثابة أمي”. كنتُ أرد على عطفها بالاستعلاء والنهر، وأقول لها أمام سلايفها: “انظفي جيداً ولا تترك طعاماً يسقط، أنتِ لم تري عِزاً إلا في بيتنا!”. والآن، ها هنّ “بنات العِز” يتركنني في بول طريحي وفراشي، ويرفضن أن يلقين عليّ نظرة رحمة واحدة.
في أحد الأيام، اشتد الخلاف بين الابن الأكبر والابن الأصغر حتى وصل إلى مد الأيدي واستخدام الآلات الحادة في منتصف النهار. علت الأصوات وانكسر زجاج الأبواب، وخرجت زوجة الأصغر تصرخ وتستغيث بالجيران، بينما كان الأطفال يبكون من الخوف.
تجمهر أهل الشارع، ونزل شقيق زوجة الوسطاني – وكان رجلاً عاقلاً محترماً – ليحول بين الأخوين حتى لا يقتلا بعضهما. وقف في منتصف الشارع، وقال للأخوين بصوت هز أركان المنطقة: “اتقيا الله في أنفسكما! تخسران بعضكما وتهدمان بيتكما بعدما ظلمتم أختي وأخرجتموها من بينكم؟ انظرا إلى حالكما، منذ أن خرجت تلك المسكينة ودعوتها في السماء، والشر لا يغادر عتبتكم!”.
نكس الابن الأكبر رأسه خجلاً، بينما صرخ الابن الأصغر وجلس على درجات السلم يبكي بكاء مريراً وهو يضرب رأسه بالجدار. لقد استوعب الجميع متأخرين جداً أن بركة البيت، وأمانه، ونظافته، وسكينته كانت كلها بفضل دعاء وتعب تلك المرأة الصابرة التي كنا نطأ كرامتها بأقدامنا.
وفجأة، جاءت الصدمة التي هزت ما تبقى من ركائز البيت. تلقى الابن الأكبر خبراً من عمله بإنهاء خدمته بسبب اختلاسات وأخطاء تراكمت عليه نتيجة تشتت عقله وهمومه المنزلية. أظلمت الدنيا في وجهه، وصار عاطلاً عن العمل، فما كان من زوجته إلا أن جمعت ذهبها وأثاثها، وأخذت أطفالها وغادرت البيت إلى غير رجعة، مرفوقة بقض\ية طلاق ونفقة تهدد بحبسه.
أما الابن الأصغر، فبسبب الديون والنزاعات المستمرة مع زوجته، اضطر إلى بيع أثاث شقته ورهن رواتبه للبنك، وانتهى به الأمر بالطلاق هو الآخر، ليتفرق أولاده بين بيت أهل أمهاتهم، وتبقى الشقق العليا خاوية إلا من الأشباح والذكريات البشعة.



