اخويا و الورث بقلم اسلام احمد

وقال بنبرة كلها شماتة وبرود
مش قلتلكم القانون لا يحمي المغفلين؟ أديكُم صرفتوا اللي حيلتكم على المحامين ورجعتوا بإيد فاضية وإيد ورا.. أظن كده الرسالة وصلت؟ محدش فيكم يفكر يخبط على بابي تاني!
مشى أحمد وسابنا وسط القاعة الفاضية.. ساب إخواته البنات مكسورين، مظلومين رسمًا وفعلان، معندهمش غير الشارع والدموع، وحسبي الله ونعم الوكيل اللي طالعة من حرقة قلوبهم وتهز جدران المحكمة.
مرت الكام شهر اللي بعد الحكم وأحنا بنحاول نلملم جراحنا ونعيش بالمرارة اللي في قلوبنا.. كنا فاكرين إن أحمد خلاص أخد بغيته وشبع باللي حطه في جيبه، بس الطمع لما يعمي القلوب، ما بيبقاش ليه قاع.
في يوم من الأيام، جالي تليفون من جارنا القديم في الحارة، صوته كان كله حسرة وذهول
الحق يا ابني.. أخوك أحمد جايب يافطة كبيرة ونازل بيها على باب البيت.. كاتب عليها العمارة بالكامل للبيع لاعلى سعر!
النار ولعت في صدري من جديد.. جريت على إخواتي البنات وعرفتهم، ونزلنا كلنا على البيت القديم، بيت أبونا اللي شهد ضحكتنا وشقانا.
أول ما وصلنا، لقينا أحمد واقف تحت العمارة مع سمسار ومعاه ناس غريبة بتعاين الحيطان والمدخل، بيتفرجوا على ذكرياتنا كأنها بضاعة ورخيصة!
أنا قربت منه بذهول وغضب، وصوتي هز الشارع
أنت بتعمل إيه يا أحمد؟! بتبيع بيت أبونا؟! البيت اللي فيه ريحة المرحوم والذكريات اللي جمعتنا؟! مش كفاية أخدت الحق والورث كله، كمان عايز تمحي حس أبونا من المنطقة نهائي؟!
الأخت الكبرى وقفت قدامه ودموعها نازلة، بس المرة دي دموع حسرة وقرف
هنت عليك يا أحمد؟ هتبيع السقف اللي لمّنا وأحنا صغيرين؟ هتبيع البيت اللي أبونا بنى حيطة حيطة بعرق شقاه عشان يسترنا؟! الفلوس طيرت عقلك للدرجة دي؟!
أحمد بص لنا بكل برود، وجر نَفَس من سيجارته ورمى الدخان في وشنا
جايين تعملوا مناحة هنا ليه؟ هو البيت ده مش بقى ملكي برسم القانون وحكم المحكمة؟ أعمل بيه اللي أنا عايزه! أحرقه، أبيعه، أهدّه.. محدش فيكم ليه كلمة عليا!
الأخت الوسطانية شيماء صرخت فيه بقلب محروق
وهتهون عليك ريحة أبونا وأمك عشان شوية فلوس؟! مستعجل على بيعه ليه كده؟!
أحمد ابتسم ابتسامة سخيفة وضيق عينه بكل تكبر
عشان الفلوس دي هي اللي هتبني مستقبل ابن الوحيد سيف! الولد خلاص كبر وقرب يتجوز، وعايز أجيب له شقة فاخرة في كمبوند نضيف، ونعمل له فرح يتهز له السوق، وأفتح له مشروع باسمه! مش هسيب ابني يتعب زي ما تعبت.. الفلوس دي هتتنقل لمكان تاني خالص، مكان يليق بيا وبابني، ومش هسيب قشورة هنا تفكرني بيكم ولا بالماضي!
الأخت الصغرى بصت له بقرف وكسرة نفس
بتبني مستقبل ابنك على قهرتنا وكسرة نفسنا؟ بتاكله حرام وبتبدأ حياته بفلوس السحت والظلم؟! افتكر يا أحمد.. كما تدين تدان، والفلوس اللي جايالهم من دم إخواتك مش هتبرك له، وربنا مش بيهمل!
أحمد شاور للسمسار إنه يكمل مع المشترين، ودار وشّه لنا وقال بقسوة
وفّروا دعواتكم وكلامكم الفاضي ده لنفسكم.. البيعة تمت خلاص وقبضت العربون، والأسبوع الجاي الشاري هيستلم المفاتيح.. يلا كل واحدة على بيتها ومش عايز أشوف رجل واحدة فيكم في الشارع ده تاني!
سابنا ومشي يضحك مع السمسار والمشترين، وأحنا واقفين بنبص للعمارة.. البيت اللي كبرنا فيه بيتباع قدام عيننا بدم بارد، عشان يتعمل بتمنه فرح وشقة لابنه.. مشينا وأحنا حاسين إن السكينة انغرست في قلوبنا أعمق من الأول، بس الجرح المرة دي مابقاش يوجع.. بقى يتحول لنار مستنية عدل السماء!
المرارة كانت ملية قلوبنا، والأيام كانت بتعدي ثقيلة زي الجبل.. أحمد لمّ الفلوس كلها، حط تمن البيت والأراضي في الحساب، وبدأ يحضر لخطوبة وفرح ابنه سيف.. كان طاير بيه ومستعجل على تجهيز الشقة الفاخرة اللي اشتراها بالفلوس الحرام، وكان يتباهى قدام الناس كلها إنه بيبني مستقبل ابنه الوحيد.
لكن دعوة المظلوم مالهاش حجاب، وعدل ربنا مابينامش.. وإن كان القانون عمي، فربنا بصير.
بعد بيع البيت بأسبوعين بس.. في يوم أسود، التليفون رن.
الخبر نزل زي الصاعقة على المنطقة كلها.. سيف، الشاب اللي كان أحمد شايف بيه الدنيا ورايح يجهز شقته وفرحه، اتخبط حادثة بشعة على الطريق السريع، عربية نقل ثقيلة فركت عربيته وهو راجع بالليل.
المستشفى اتملت صريخ، وأحمد جرى زي المجنون، هدومه سايحة بالدموع والتراب.. الدكتور خرج ووشه مفسرش غير كلمة واحدة حالة خطيرة جدًا.. محتاج عمليات عاجلة وتدخل سريع، ومش مضمون يعيش.
بدأت المأساة الحقيقية..
أحمد اللي كان بيعد الفلوس بالجنيه ويتبغدد بيها، بقى يدفع الفلوس ألوفات ورا ألوفات.. المستشفى الاستثماري كانت بتاكل الفلوس أكل.. عمل نقل دم، وعمليات مخ وأعصاب، وجراحات للعظام، وأجهزة تنفس.. الفلوس اللي أخدها من حقنا ومن تمن البيت، بقت تطلع من حسابه في البنك زي المية اللي بتتسرب من إيديه، يدفع وهو بيترجى الأطباء خدوا اللي أنتم عايزينه.. خدو فلوس البيت والأرض وكل حيلتي بس سيبوا لي ابني!
لكن الفلوس مالهاش كلمة قدام القدر..
بعد عشر أيام كاملين من العذاب، والصرف اللي ملوش آخر، وبعد ما أحمد صرف دم قلبه والتحويشة كلها على الأجهزة والعمليات.. خرج الدكتور وهز رأسه بأسف البقاء لله.. الأجهزة وقفت والقلب استسلم.
سيف مات.. الابن الوحيد.. الفرحة اللي كان بيبنيها على كسرة نفسنا راحت في لحظة.
يوم الجنازة، الحارة كلها كانت واقفة، وأحنا أعداء الأمس كنا واقفين في أول الجنازة.. إخواتي
البنات راحوا، الدموع كانت في عينيهم مش شمتة، لكن قهراً ووجعاً على الشباب اللي راح، وعلى العقاب الإلهي اللي كان سريع وواعر بشكل يخوف.
أحمد كان ماشي ورا الخشبة، مش أحمد القديم إطلاقًا.. كان راجل عجوز مكسور، دهره انحنى في أيام، عينيه غائرة ومفيهاش أي حياة.. الفلوس راحت كلها على المستشفيات والعناية المركزة، والبيت اتقفل وبيتباع، وابنه اللي كان بيجمع له كل ده نزل التراب بإيده!
بعد ما الناس مشيت من الترب، أحمد قعد على ركبه قدام القبر بيصرخ ويبكي بحرقة يهد الحيل
يا رب.. يا رب أنا السبب! أنا اللي استعجلت.. أنا اللي أكلت الحرام وأطعمته لابني! يا ريتني سبت لهم البيت، يا ريتني ما ظلمت! يا سيف يا ابني تاخد عقابي ليه؟!
بصينا له من بعيد وإحنا بنرتعش من الهول.. بقى قاعد في التراب، لا طال بيت أبوه، ولا طال الفلوس، ولا طال ابنه اللي عاش علشانه.. العدالة الإلهية كتبت آخر فصل في القصة، بدرس قاسي يفضل يعلمه ويعلم أي حد يفكر ياكل حق أخت أو يظلم دم من دمه.. إن ربنا امهل، بس أبدًا ما أهمل.
تمت
منتظر رايكم بقلمي اسلام احمد

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *