حكايات اماني السيد 1
جوزى اتجوز واحده تانيه وانا كنت راضيه وموافقه وماعنديش مشكله خالص بالعكس بجوازه المسؤلية والطلبات خفت عليه شويه وبطلنا نعمل خناقات مع بعض لان قبل جوازه كنا دايما فى مشاكل وكل شويه اغضب عند اهلى
المهم رضيت بالأمر الواقع قولت اهم حاجة انى أفضل على زمته عشان خاطر البنتين وإن محدش يجيب سيرتى وانا كده كده بشتغل وليه حياتى بعيد عنه
مرت الايام وكان بيجلنا كل أسبوع يوم او يومين بصراحه بينى وبين نفسى كنت بستغرب مراته التانيه دى عامله ازاى وازاى مستحملاه ده اليوم اللى بيجيلى فيه بيبقى قالب وشه حتى الفلوس كان بيدينى مصروف يا دوب بيكفى اسبوع وانا اللى شايله مسئوليه الاولاد والاكل والشرب
لحد ما فيوم كنا معزومين عند والدته وشوفت الصدمه هناك
فضلت مطمنة لهدوء حياتي الجديدة.. لحد ما فيوم جاتلنا عزومة عند والدته.
روحت أنا والبنتين، وأول ما دخلت لقيت البيت مليان بقرايبه، وزحمة وضحك وكلام. قعدت في وسطهم انا وبناتى ، وبحافظ على ابتسامتي الهادية المعتادة عشان شكل البنات قدام عيلتهم، لحد ما الباب اتفتح.. ودخل هو وهي.
هنا كانت الصدمة اللي وقفت الدم في عروقي!
شفت راجل تاني خالص غير اللي بيجيلي؛ دخل وهو بيعامل مراته الجديدة أحسن معاملة، عينه عليها بلهفة واهتمام، بيكلمها بحنية وبيدللها قدام الكل. قعدت وسطنا بكل ثقة والضحكة مش بتفارق وشها، وشوية وبدأت تتباهى بيه وبكرمه وصوتها مسمع الصالة كلها وهي بتقول: “ده بجد مش مخليني نفسي في حاجة خالص، ومبيرفضليش طلب.. وازاي بيصرف ويجيب!”.. ومسكت رقبتها بكل فخر وهي بتورينا كوليه دهب بيلمع وقالت: “شوفوا.. ده لسه مشتريهولي من أسبوع واحد بس لما شافني معجبة بيه”.
في اللحظة دي، حسيت كأن الحيطة اتهدت فوق دماغي. وافتكرت شكل المصروف اللي بيبهدلني بيه كل أسبوع وهو بيقولي “الدينا غالية ومعيش”، واكتشفت إن البخل والوش الخشب مكانش بسبب ظروف الحياة.. ده كان بخل مشاعر وماديات عليا أنا وبناتي بس، والخير كله رايح هنا
نزلت الكلمات عليا زي المية الساقعة وأنا قاعدة مكاني مش قادرة أتحرك، وعيني مش قادرة تنزل من على الكوليه الذهب اللي في رقبتها. الصدمة كانت لسه ملجماني، لكن اللي جاي كان أصعب بكتير.
وسط كلامها وتباهيها، لفت وشها ناحيته بدلال وقالت بنبرة رقيقة مسمعة الكل:
— “حبيبي، الجو حر قوي هنا.. ممكن تجيب لي كوباية عصير ساقعة من المطبخ؟”
لقيت رد فعله خطف روحي.. ابتسم في وشها بحنان وقام فوراً وهو بيقول لها: “من عيوني يا حبيبتي، ثواني ويكون عندك.”
في اللحظة دي، عيني راحت على بناتي اللي كانوا قاعدين جمبي.. البنتين اتسمروا مكانهم، عيونهم كانت واسعة من الذهول ومش مصدقين اللي شايفينه! أبوهم اللي عمرهم ما شافوه بيشيل كوباية من مكانها في البيت، أبوهم اللي لو طلب مية بيزعق ويقلب البيت لحد ما حد يروح يجري يجيب له، قايم بنفسه وبكل رضا ولطف عشان يخدم مراته الجديدة! شفت الكسرة والخزلان في عيون بناتي، وكأنهم بيسألوا نفسهم: هو ليه مش بيعاملنا كده؟ هو ليه مش بابا بتاعنا إحنا كمان؟
رجع من المطبخ وفي إيده كوباية العصير، قدمها ليها وهو بيطمن إنها ساندة مرتاحة. أخدت منه الكوباية، شربت بوق، وبمنتهى البرود لفت عينيها في الصالة وقالت وهي بتبص للبنات:
— “تسلم إيدك يا حبيبي.. صحيح، أنا كنت عايزة كمان شوية مية ساقعة، وكمان منديل امشح ايدى من العصير.. خليهم بقى يقوموا يخدموني ويجيبوا الحاجات دي، مش كفاية أنت اللي قمت بنفسك الأول؟”
التفت ناحية بناته، وبنبرة جافة وأمر، خالية تماماً من الحنية اللي كانت في صوته من ثواني، بص لهم وقال:
— “قوموا يا بنات.. اسمعوا كلام طنط وشوفوا هي عايزة إيه واعملوه فوراً.”
البنات اتسمروا في مكانهم، والدموع لمعت في عيونهم الصغيرة. الكسرة اللي في ملامحهم كانت كفيلة تهد جبال، باصين لأبوهم وكأنهم بيشوفوا شخص غريب لأول مرة في حياتهم. الشخص اللي كان بيصرخ في البيت لو ملاقاش هدومه جاهزة، والشخص اللي كان بيحسب عليهم اللقمة والمصروف بالقرش، واقف دلوقتي بكل طواعية يطلب منهم يخدموا الست اللي أخدت مكان مامتهم، وبمنتهى القسوة والجفاء.
حسيت بنار قايدة في صدري، وحالة الذهول اللي كنت فيها اتبدلت فجأة لبركان غضب مكتوم. بناتي خط أحمر، لحد هنا وكفاية رضى بالأمر الواقع، ولحد هنا وتنتهي مسرحية “الزوجة العاقلة المتسامحة”.
قبل ما البنات يتحركوا أو ينطقوا بكلمة، مسكت إيديهم هما الاتنين وقومت وقفت بكل ثبات، ورسمت على وشي ابتسامة باردة مفيهاش أي انكسار. الصالة كلها سكتت، والعيون كلها اإتجهت ناحيتنا مستنيين يشوفوا رد فعلي. بصيت لمراته الجديدة من فوق لتحت وقلت بصوت عالي ومسموع للكل:
— “معلش يا طنط.. البنات جايين هنا يزوروا جدتهم ويسلموا على عيلتهم، مش جايين يشتغلوا دادة عند حد. اللي رجله شيلتاه عشان يجيب عصير، يقدر يقوم يجيب المية والمنديل بنفسه.”
الصدمة ظهرت على وش جوزي، وشه احمر وعروقه برزت من العصبية، لأنه متعود مني دايماً على السكوت والانسحاب عشان “المركب تمشي”. خطى خطوة ناحيتي وقال بنبرة تهديد ووش خشب:
— “إنتي بتعدلي على كلامي قدام الناس؟ البنات هيسمعوا الكلام ويقوموا، وإلا وربنا ما هيحصلك طيب، لمي نفسك واقعدي.”
حماتي وقفت بسرعة وحاولت تهدي الجو وقالت: “يا جماعة وحدوا الله، مش قدام الناس، حصل خير يا فوزية (اسم زوجته الثانية) قومي هاتي حاجتك بنفسك.”
لكن الست الجديدة شافت إن برستيجها اتهز قدام القرايب، فلوت بوزها وبصت لجوزي بنظرة عتاب ودلال مصطنع وقالت: “شايف يا حبيبي؟ أنا ميرضينيش يتقال عليا كده في بيتك، أنا كنت بهزر معاهم وبعتبرهم زي بناتي، بس الظاهر إن مامتهم معلماهم يكرهوني.”
الكلمة دي خلته يفقد أعصابه تماماً، وبصلي بغل وهو بيقول: “انتي مبقتيش تنفعي، وكل ما تروحي عند أهلك ترجعيلي بأخلاق ألعن، لو مش عاجبك النظام هنا اتفضلي خدي بناتك وامشي، والبيت ده متعطبيش عتبته تاني!”
في اللحظة دي، افتكرت كل ليلة قعدت فيها أعيط وأنا بحسب مصروف الأسبوع اللي مش بيكفي العيش الحاف، وافتكرت شكله وهو قالب وشه في اليومين اللي بيجيلي فيهم وكأنه جاي يقضي عقوبة سجن، وافتكرت كوليه الذهب اللي في رقبتها اللي ثمنه يعيش بناتي في مستوى ملوكي لسنين.
بصيت لبناتي، لقيتهم ماسكين في عبايتي وبيترعشوا، لكن في عيونهم رجاء إني مضعفش.
أخدت نفس عميق، وبصيت له بكل برود وقلت له:
— “تصدق إنك صح؟ أنا فعلاً ممشيش من هنا إلا وأنا واخدة بناتي في إيدي.. بس مش هروح عند أهلي غضبانة زي كل مرة.. أنا هروح على بيتي، وطالما الخير كتير قوي كده وبتشتري ذهب بالألوفات، يبقى نتقابل في محكمة الأسرة عشان نفض الاشتباك ده، والنفقة والمؤخر هيبقوا ثمن الكوليه اللي في رقبة المحروسة.”
سحبت بناتي وخرجت وسط ذهول العيلة كلها وصراخه ورايا وهو بيهدد ويقول: “لو خرجتِ مش هتشوفي مني قرش واحد، وهتلفي حوالين نفسك!”
ركبت التاكسي وأنا بضم بناتي لحضني، ولأول مرة من سنين محسيتش بالخوف. حسيت براحة غريبة، وكأن الحمل اللي كان على كتافي انزاح. وصلنا شقتي، البيت اللي عشت فيه سنين صابرة على قلة القيمة. دخلت البنات أوضتهم وطمنتهم، وقعدت في الصالة لوحدي أخطط للي جاي. كلمت محامي من معارف والدي وحكيت له كل حاجة بالتفاصيل، من أول المصروف الشحيح لحد الجوازة الجديدة والذهب والبيانات اللي معايا. المحامي طمني وقال لي: “متقلقيش، طالما بيصرف البذخ ده كله، إحنا هنثبت دخله الحقيقي في المحكمة، وحقك وحق بناتك هيجيلك تالت ومتلت.”
عدى يومين، وتليفوني مفسلش رن منه ومن والدته اللي كانت بتحاول تلم الموضوع خوفاً من الفضيحة والمحاكم. وفي اليوم الثالث، وأنا بجهز عشان أنزل شغلي، سمعت خبط رزع على الباب.. فتحت ولقيته هو، بس وشه مكانش عليه علامات الغضب زي يوم العزومة.. كان باين عليه التوتر والقلق، وفي إيديه كيس أسود كبير. دخل الشقة من غير ما يستأذن وقفل الباب وراه وقال بنبرة تحذيرية:
— “انتي فاكرة نفسك هتلعبي معايا؟ المحامي بتاعي قالي على اللي ناية تعمليه.. اسمعي يا بنت الناس، أنا جايبلك قرشين وجايب للبنات لبس، وتنسي موضوع المحاكم ده خالص، وإلا قسمًا بالله هحرمك من البنات دول ومش هتشوفيهم تاني!”



