اخويا و الورث بقلم اسلام احمد

وحط إيديه في جيبه وابتسم ابتسامة استفزازية
خلصتوا كلامكم ولا لسه عندكم موشح تاني؟ المحاكم مفتوحة وأعلى ما في خيلكم اركبوه! روحي يا أختي أنت وهي ارفعوا شكوى، ارفعوا قضية، انزلوا للشارع واصرخوا.. أهو الكلام ده بليتوه وشربتوا ميته! القانون لا يحمي المغفلين، والأوراق رسمية وموثقة ومحدش فيكم ليه عندي حاجة ولا قيراط واحد.. البيت ده بيتي، والأراضي دي أراضيّ، والكلمة هنا كلمتي!
أنا قربت منه وشديته من رقبة قميصه بغيظ
الموضوع ده مش هيعدي بالساهل يا أحمد.. وحق البنات ده هتاخده منك الدنيا قبل الآخرة، وساعتها مش هتلاقي حد يتف في وشك!
زق إيدي بقوة وقال ببرود يفرس اللي عنده حاجة يعملها.. والباب يفوت جمل!
الأخ الكبير صوته زأر في الصالة زي الرعد، ونفض إيدي بغل وهو بيزقني لورا
جرى إيه يا روح أمك؟! أنت هتمد إيدك عليا في بيتي ولا إيه؟! أعدل لسانك واعرف بتكلم مين، الكلام خلص خلاص وما بقاش فيه يلّا ونق!
لف لإخواته البنات، وبص لهم بنظرة كلها قسوة وجحود، وصوت جهوري جاب أخر الشارع
وأنتوا.. كل واحدة فيكم تتفضل على بيت جوزها! من اللحظة دي بالمرة كده.. أنتوا تنسوا إن ليكم بيت أب هنا! أبونا مات، يعني خلاص.. الحبل اتفرك وكل واحدة ليها جوزها يشيل همها وياكلها ويأويها! ما بقاش لكم مجاي ولا إقامة هنا ثاني!
الأخت الكبرى صرخت بذهول والدموع نازلة زي المطر
بتطردنا من بيت أبونا يا أحمد؟! البيت اللي اتربينا فيه وكبرنا فيه بتقولنا انسوه؟! ده بيتنا قبل ما يكون بيتك، وأبونا ما ماتش في قلوبنا عشان تيجي أنت وتمحي حسنا من الدنيا بكلمتين!
الأخت الوسطانية شيماء بكت بقهر وهي بتمسك في دراع إختها
حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا أحمد.. حسبي الله ونعم الوكيل! بتبيع صلة الرحم عشان شوية حيطان وأراضي؟! هتقول إيه لربنا لما تقف قدامه ويحاسبك على ظلمنا؟ اجوازنا يشيلوا همنا آه، بس دا حقنا من أبونا ومش هنسيبهولك تاكله سحت في بطنك!
الأخ الكبير رد ببرود يقهر وجلف
ربنا يحاسبني أنتي وهي، مالكمش دعوة بآخرتي! أنا بقول اللي عندي والكلمة اللي تنزل ما ترجعش.. شنطكم وأغراضكم تاخدوها وتتوكلوا على الله، والبيت ده باب مقفول في وش أي واحدة تجيلي تطالب بقشورة فيه.. ورجلكم ما تعتبش العتبة دي تاني إلا لو جايين ضيوف أدخلكم أو ما أدخلكمش على مزاجي!
أنا مسكت إخواتي ولميتهم تحت جناحي وأنا بجز على سناني والدم بيغلي في عروقي
امشوا يا بنات.. امشوا وما تبكوش على مكان بقيت فيه الحيتان بتاكل بعضها.. بس وحياة ربي يا أحمد، ودين الله ما هنسيب حقنا، والقانون والمحاكم اللي بيننا هترجع كل قيراط، وساعتها البيت ده هو اللي هيتقفل في وشك أنت!
أخدت إخواتي البنات وهم بيبكوا بقهر يهد الحيل، وخرجنا من باب شقة أبونا.. الشقة اللي كانت طول عمرها دافية ومفتوحة للكل، سيبناها وورانا أحمد واقف في نص الصالة، قافل قلبه وباصص لنا بتحدي، وقفل الباب ورا بضربة هزت السلم كله.. ورجعنا في الضلمة وإحنا ناهيين الصفحة دي، بس حافين إن المعركة الحقيقية لسه بتبدأ.
الأيام المرة مرت زي السنين.. جررنا بعضنا على المحاكم، رفعنا قضايا تزوير وبطلان عقد وإعلام وراثة، وصرفنا اللي ورانا واللي قدامنا على المحامين والمصاريف عشان نثبت إن أبونا مستحيل يظلم بناته ويحرمهم من حق ربنا.
في كل جلسة، كنا بنروح وندعي ربنا إن العدل يبان، والشهود ييجوا، وإخواتي البنات قاعدين على دكك المحكمة ووشوشهم دبلت من القهر والانتظار.. وأحمد أخونا الكبير كان بييجي الحلسات يمر من قدامنا ولا كأننا إخواته، يبص لنا بنظرة شفقة واستعلاء توجع القلب.
وبعد سنتين كاملين من المناهدة والمحاكم.. جه يوم النطق بالحكم.
القاعة كانت زحمة ومكتومة، وقفينا الأربعة جنب بعض بنرتعش من التوتر.. إخواتي بيمسكوا في إيد بعض وبيتمتموا بالأدعية.. وأحمد واقف مع محاميه في الناحية الثانية وواثق من نفسه.
القاضي دخل، ودق بالمطرقة على الخشب، والصمت ساد القاعة تمامًا
باسم الشعب.. حكمت المحكمة برفض الدعوى المقام من المدعين، وصحة ونفاذ عقد البيع الابتدائي المؤرخ ب… والمحرر بين المرحوم والد الطرفين والمدعى عليه الأول، وألزمت المدعين بالمصاريف ومقابل أتعاب المحاماة.
الجملة نزلت على دماغي زي المطرقة.. القاضي قال كلمته ومشي، والقاعة تحركت، بس الزمن وقف بالنسبة لنا.
الأخت الوسطانية شيماء وقعت على الدكة والدموع اتجمدت في عينها
يعني إيه؟ يعني حقنا راح؟ المحكمة حكمت له وهو الظالم؟! يا رب وين العدل.. يا رب دا أكل حقنا!
الأخت الكبرى صوتها خرج مكتوم ومكسور، وجسمها كله بيتنفض
أبونا مات.. وحقنا مات معاه، القانون كتب إننا ملناش حاجة، وأخونا أخد شقى عمر أبونا كله بأوراق مفيهاش غلطة.. اتظلمنا رسمي يا ناس! اتظلمنا والقانون بيمضي على ظلمنا!
الأخت الصغرى قعدت على الأرض وهي بتعيط بصوت يقطع القلب
يا خسارة الشقى يا أبوي.. بقى تكتب شقاك كله للي يطردنا ويقفل الباب في وشنا؟ ربنا يعوض علينا.. ربنا أرحم بينا من كل الأوراق دي.
أنا وقفت مسمر في مكاني، مش قادر أتحرك ولا أنطق.. العقد طلع سليم قانونًا، وأبونا سواء بعلمه أو بغير علمه وهو مريض بصم وباع له كل حاجة بيع وشراء، والقانون مابيعترفش بالدم ولا بالقلوب، بيعترف بالورق والبصمة.
أحمد قرب مننا، وبص لنا ونظرة الانتصار المالحة في عينه، حط إيده في جيبه



