جوزي حول شهر العسل لفسحة لأمه وأخته... وقالي أنام على كنبة الفندق، لكنه ماكنش يعرف إن نفس الليلة هحجز تذكرة راجعة لوحدي، وأعرض الشقة اللي كان فاكر إنها بقت ملكه للبيع. جوزي طلب مني أدور على أوضة إيجار بالساعات... في شهر العسل. مش لينا إحنا الاتنين...ليا أنا. أمه هتنام على السرير الكبير. وأخته، اللي كانت لسه سايبة شغلها، "محتاجة تغير جو". وأنا...العروسة اللي بقالها تلات أيام متجوزة... المفروض أستحمى في أي مكان، وأقضي الليلة على كنبة في ريسبشن الفندق.في اللحظة دي... فهمت حاجة عمري ما هنساه...الست مش بتسيب جوزها بسبب خناقة. بتسيبه لما تشوف مكانتها الحقيقية وسط عيلة جوزها متهانه...اسمي سارة الشاذلي. قبل فرحي على كريم بتلات شهور، كنت حاجزة رحلة للساحل الشمالي...حلمت بشهر عسل بسيط... نمشي على البحر...نفطر وإحنا بنتفرج على الموج. ونتكلم عن حياتنا الجديدة. تذكرتين.كرسيين جنب بعض.وأوضة مطلة على البحر. رحلة لشخصين. لكن... قبل السفر بيوم، دخل كريم الصالون بابتسامته الهادية. وقال: "ماما نفسها تشم هوا البحر... وضهرها تعبان. ودنيا أختي لسه سايبة شغلها وحالتها النفسية تعبانة. إحنا مش هنخسر حاجة لو خدناهم معانا." بلعت ريقي...آه...ده شهر عسلي. لكن قلت لنفسي:"بلاش أبان أنانية من أول الجواز." فوافقت.ابتسم.وباسني على راسي. وقال: "كنت عارف إنك بنت أصول." وده كان أول غلط عملته. افتكرت إن "بنت أصول" معناها إنه بيقدرني. لكن الحقيقة... كانت معناها إني هسكت على أي حاجة. لما وصلنا الفندق في الساحل... موظف الاستقبال اعتذر وقال إن حصل خطأ في الحجز. مافضلش غير جناح عائلي كبير. سرير كبير. كنبة صغيرة. وحمام واحد. بصيت لكريم... مستنية إنه يطلب حل. لكنه بص لأمه. وبعدين لأخته. وبعدين بصلي كأن الحل واضح. وقال بمنتهى البساطة: "سارة... انزلي شوفي لو فيه أوضة إيجار قريبة. استحمي فيها، ولو مالقيتيش... نامي على كنبة الريسبشن. دي ليلة واحدة."وقفت مكاني...والشنطة في إيدي. أما حماتي... فقعدت على السرير الكبير وهي بتخلع الجزمة. وقالت:"يا بنتي... إنتوا الشباب تستحملوا."وفي نفس اللحظة... طلعت دنيا من الحمام وقالت: "سارة... وإنتِ نازلة هاتيلي إزازة مية ساقعة." دخلت نسمة البحر من البلكونة...ريحة البحر...والإجازة... والحرية.وفجأة...كل الأصوات اللي جوا دماغي اختفت. نزلت من غير ما أرد.عديت الريسبشن. خرجت من الفندق.وأوقفت أول تاكسي. السواق سألني:"على فين يا مدام؟"قلت: مشيت خطوات سريعة ناحية الشارع، الهواء البارد طير شعري، والتاكسي كان واقف على أول الشارع نوره ضارب في العتمة. السواق بصل مرايته بستغراب وهما بيشوف شنطتي الكبيرة ووشي اللي مافيهوش نقطة دم. "على فين يا مدام؟" رديت وبصوتي ثابت بشكل خضني أنا شخصياً: "على الموقف... أو محطة الأتوبيسات. أي حاجة متحركة للقاهرة فوراً." السواق هز رأسه وشغل العداد. طلعت تليفوني، إيدي ماكانتش ب think أو ترتعش، بالعكس... كان في نوع غريب من الهدوء البيصاحب اللحظات اللي العقل فيها بياخد قرار مفيش منه رجوع. فتحت تطبيق حجز الأتوبيسات الخاصة، ولقيت آخر رحلة قيامها بعد نص ساعة. حجزت الكرسي رقم واحد، جنب الشباك. في نفس الوقت اللي كنت بركب فيه الأتوبيس، التليفون بدأ يرن. "كريم". ما رديتش. سبت التليفون يرن... مرتين، تلاتة، عشرة. بعدها بعت رسالة: *"سارة انتِ فين؟ نزلتِ تكتشفي المنطقة ولا إيه؟ أمي عايزة تتعشى ودنيا بتقولك ما تنسيش المية."* قرأت الرسالة وابتسمت. ابتسامة وجع بس فيها سخرية مش طبيعية. هو مش شايف. مش مستوعب. بالنسبة له، أنا مجرد قطعة ديكور اتركنت على جنب عشان العيلة الكريمة تستجم. قفلت التليفون خالص. وحطيت رأسي على الشباك. طوال طريق السفر اللي أخد أربع ساعات، كنت بفتكر كل تفصيلة في الكام شهر اللي فاتوا. بفتكر لما كنا بنجهز الشقة. الشقة دي... قصتها قصة. أنا وسارة الشاذلي، مش مجرد عروسة ساكتة. أنا مهندسة ديكور، وشغالة في شركة كبيرة، ولما اتخطبنا كريم ماكانش معاه يقدم المقدم الكامل لشقة الملك. الشقة كانت مكتوبة باسمه بالتقسيط، لكن أنا اللي دفعت أكتر من نص ثمنها كـ "مقدم" من تحويشة عمري وشغلي، وكتبنا بيننا ورقة ضد غير رسمية لحد ما القسط يخلص وننقل الملكية مناصفة. الشقة دي كانت حلمي. أنا اللي اخترت سيراميكها، أنا اللي نقيت ألوان الحوائط، وأنا اللي اخترت كل قطعة عفش بذوقي وفلوسي. كريم كان دايماً يقولي: "إحنا واحد يا سارة... الشقة شقتك، والبيت بيتك." لكن في الحقيقة، كريم كان شايف إن فلوسي حق مكتسب، وإن تضحياتي واجب، وإن عيلته هي المالك الفعلي لأي حاجة أعملها. وصلت القاهرة الساعة أربعة الفجر. الشوارع كانت فاضية وساكتة. أخدت تاكسي وعلى الشقة على طول. فتحت الباب بالفيزا والمفتاح، دخلت الشقة اللي ريحة دهانها الجديد لسه فيها. الشقة اللي ما لحقتش أقعد فيها غير يومين قبل ما نسافر "شهر العسل". شغلت الأنوار كلها. قعدت في الصالون اللي كريم قعد فيه قبل السفر بيوم وهو بيقولي "أمي وأختي جايين معانا". اللحظة دي كانت لحظة الاسترداد. أول حاجة عملتها، فتحت اللابتوب بتاعي. اتصلت بزميلي في الشركة، محامي شاطر جداً ومسؤول عن عقارات العيلة، قلت له: "سامح... أنا آسفة إني بكلمك الفجر. لكن الورقة العرفية بتاعة الشقة، والتوكيل اللي مع المأذون، والتحويلات البنكية لشركة التطوير العقاري... عايزة أبدأ في إجراءات بيع نصي، أو رفع دعوى تحفظية وبيع الشقة بالكامل فوراً." سامح سكت ثانية وقال: "سارة... انتِ مش في الساحل؟ في شهر العسل؟" قلت له بصوت هادي جداً: "شهر العسل خلص يا سامح. وأنا عايزة حقي ينزل في المزاد أو للبيع من الصبح. اتصل بأي سمسار ثقة من اللي بنتعامل معاهم." الساعة ثمانية الصبح، السمسار كان عندي في الشقة. راجل خبير في المنطقة. طاف بالشقة، شاف التشطيب الفاخر، والإضاءات، والموقع. قال لي: "يا باشمهندسة، الشقة دي لقطة، ولو اتعرضت بسعر أقل من السوق بحاجة بسيطة عشان السرعة، هتباع في أسبوع." قلت له: "أنا مش عايزة أسبوع... أنا عايزة عربون النهارده. هتنزل إعلان حالا، وأنا هسيبلك المفتاح، وحقي المالي يتم تحويله في حسابي البنكي أول ما المشتري يدفع المقدم." وقعت على أوراق العرض للبيع، وسلمت السمسار نسخته، وطلعت على بيتنا... بيت أهلي. أبويا وأمي اتفاجئوا لما شافوني داخلة بالشنط وبوش أصفر. أمي صرخت: "سارة! خير يا بنتي؟ كريم جراله حاجة؟" قعدت على الكنبة، وبمنتهى الهدوء حكيت كل حاجة. حكيت عن الأتوبيس، عن الكنبة في ريسبشن الفندق، عن الحمام اللي المفروض أستحمى فيه بره، وعن إزازة المية الساقعة اللي دنيا كانت مستنياني أجيبها. أبويا، الراجل الطيب اللي عمره ما رفع صوته، وشه احمر من الغضب. وقام وقف: "ابن الكلب! فاكر بنات الناس لعبة؟ استغلك واخد فلوسك وفي الآخر يرميكي على كنبة الريسبشن؟" أمي كانت بتبكي: "يا بنتي ده لسّه ثالث يوم جواز... الناس هتقول إيه؟" بصيت لأمي وقلت لها: "الناس مش هيلي هيتداس عليها يا أمي. الناس مش هي اللي هيتقال لها نامي في الريسبشن وأم جوزك بتاخد سريرك. اللي يسكت في أول خطوة، هيفضل مكسور طول العمر." في الوقت ده... التليفون بتاعي كان مقفول. فتحته الساعة 12 الضهر. التليفون ما وقفش رن. عشرات المكالمات الفائتة من كريم، ورسايل من أخته دنيا، وحتى من حماتي. أول رسالة من كريم كانت غاضبة: *"انتِ فين يا هانم؟ سايبة الفندق ومختفية من بالليل؟ أمي قلقانة ودنيا افتكرت جرالك حاجة! ارجعي فوراً."* الرسالة اللي بعدها بساعتين كانت كالتالي: *"سارة انتِ اتجننتِ؟ موظف الريسبشن بيقول إنك أخدتِ شنطتك ومشيتِ؟ انتِ بتصغري بيا قدام أهلي؟"* والرسالة الأخيرة، اللي بعتها قبل ما أفتح التليفون بدقايق، كانت نبرتها اتغيرت تماماً: *"سارة... البواب بيكلمني وبيقولي إن في سمسار وناس طالعين نازلين من الشقة وفي يافطة 'للبيع' اتعلقت على البلكونة! انتِ بتعملي إيه عندك؟"* ابتسمت. القلم بدأ يترد. اتصلت بكريم. رد من أول رنة، وصوته كان هيطلع من السماعة من كتر العصبية والصريخ: "انتِ فين يا سارة؟ إيه الجنان اللي بتعمليه ده؟ أمي لسه صاحية ومصدومة من تصرفاتك! زعلتِ عشان قلتلك نامي ليلة في الريسبشن؟ دي أمي يا هانم! انتِ معندكيش أصل ولا تربية؟ وإيه يافطة البيع اللي على الشقة دي؟" سبته يصرخ ويهدد لحد ما خيم السكوت عليه لما حس إني مش برد ولا بصرخ زي ما هو متوقع. قلت له بنبرة هادية جداً، زي نبرة مهندس بيكلم زبون في الشغل: "خلصت كلامك يا كريم؟" قال بذهول: "خلصت؟ انتِ بتكلميني كده ليه؟" قلت له: "أولاً... الشقة اللي انت فاكر إنها بتاعتك، أنا حطيت فيها أكتر من ثلثين ثمنها. وبموجب الورقة العرفية والتحويلات، الشقة اتعرضت للبيع رسمياً، وفي مشتري أخد معاينة الصبح ودفع العربون خلاص. وبكرة الصبح، محامي الشركة هيمشي في إجراءات فسخ العقد ونقل الملكية أو تسييل المبلغ." كريم اتصدم، صوته بدأ يترعش: "بيع إيه وعربون إيه؟ انتِ مجنونة؟ الشقة دي باسمي!" ككملت ببرود: "باسك في العقد، لكن الفلوس فلوسي، والورقة الضد والتحويلات البنكية باسمي يا ابن الأصول. ثانياً... بالنسبة لأمك وأختك اللي محتاجين يغيروا جو على حساب كرامتي... الفندق اللي انتوا فيه، أنا حجزته بفيزتي أنا، ومن حقي أكنسل الحجز في أي لحظة." سكت كريم... وقفت أنفاسه. كملت: "أنا كلمت إدارة الفندق من نص ساعة، ووفقاً لسياسة الإلغاء، ألغيت حجز الجناح العائلي بالكامل، وفلوسي استرديتها على الحساب. يعني قدامكم بالضبط نص ساعة، وموظف الريسبشن هيدخل يطلب من أمك وأختك يلموا شنطهم ويطلعوا بره الجناح... لأن الغرفة خلاص مش مدفوعة." كريم صرخ بأعلى صوته: "انتِ بتنتقمي مني؟ بتطردي أمي وأختي في الشارع في الساحل؟ انتِ إيه؟ معندكيش رحمة؟" رديت عليه بكلمة واحدة، كانت زي السكين: "الرحمة يا كريم... بتتعطى للبني آدمين. مش للي بيطلب من مراته تنام على كنبة الريسبشن في شهر العسل عشان ينبسط هو وعيلته على قفاها. الشنط اللي بره دي... شنط هدمتك اللي جمعتها من الشقة وهتوصلك على بيت أمك. والمأذون هيتوصل بيك بكرة." قفلت السكة في وشها. وبعد عشر دقايق بالضبط، التليفون رن تاني... بس المرة دي مش كريم. كانت حماتي! فتحت الخط وسبتها تتكلم. كانت بتتكلم وهي بتلهث وصوتها مليان قهر وذهول: "سارة؟ يا بنتي انتِ عملتِ إيه؟ الأوفيس بوي بيخبط على الباب وبيقولنا انزلوا حالا الحجز اتلغى! الدنيا حر بره وأنا ضهري وجعني! هو إحنا عملنالك إيه لكل ده؟ عشان ليلة؟" قلت لها بكل احترامي البارد: "يا طنط... انتِ مش قلتِ لي البارح 'يا بنتي انتوا الشباب تستحملوا'؟ أديكي شايفه... أنا استحملت وسافرت القاهرة. ودلوقتي جه دوركم تستحملوا الشارع والشمس... ودنيا أخت كريم، وهي نازلة، ما تنساش تجيبلك إزازة مية ساقعة." قفلت الخط. وقفت جنب شباك أوضتي القديمة في بيت أهلي. السماء كانت صافية، والشمس طالعة. حسيت بحجم التعب والوجع اللي في قلبي، بس في نفس الوقت حسيت بنوع غريب من الحرية. الحرية اللي بتيجي لما ترفضي تكوني الضحية المثالية، ولما تقرري إن كرامتك خط أحمر... محدش يقدر يتخطاه، حتى لو كان الشخص اللي اخترتِ تكملي معاه حياتك.