حكايات اسلام احمد 2

في القسم، في غرفة التحقيق المكيفة اللي ريحتها الدخان والدفاتر القديمة، قعدت على كرسي خشب مكسور، وحضنت عيالي. الضابط كان بيسألني عن كل حاجة، من أول ما ناصر بدأ يطفي اللمبة في الصالة، لحد ما قفل على ابني الحمام ومسك الكيس الأسود. حكيت كل حاجة، كل لحظة ذل، كل مسحة دموع، وكل كلمة تهديد عشناها السنين اللي فاتت.

المحقق كان بيكتب كل كلمة، وابني الصغير كان بيحكي بصوته المرتعش إزاي عمو ناصر ضربه بالقلم وقفل النور لما شاف الكيس تحت السيفون. الشهادة كانت زي الس/كينة اللي بتتقفل على رقبة ناصر.

وعلى الساعة أربعة الفجر، وأنا قاعدة في الصالة الخارجية للقسم مستنية الخروج، التليفون رن تاني. كان رقم غريب.. ردت، وجالي صوت أحمد.. بس مكنش صوت أحمد اللي أعرفه. كان صوت راجل كبر عشرين سنة في ساعتين، صوت طالع من بئر ملوش قاع، محمل بغضب ودموع وكسرة نفس تهد الحيل.

“أنتي عملتي إيه يا هناء؟” قالها بصوت هاديء يرهب أكتر من الصريخ. “أنتي سلمتي أخويا للمباحث؟ أنتي فضحتينا وسط المنطقة؟ أخويا الشقيق اللي من أمه وأبويا يروح اللومان بسبابك؟”

وقفت في وسط صالة القسم، وبصيت لعيالي اللي كانوا نايمين على الكراسي الخشب من التعب، ورفعت رأسي وقلت له بصوت مفيش فيه ريحة الضعف اللي كانت فيا زمان: “أخوك مكنش أخوك يا أحمد.. أخوك كان بيسقي عيالك السم، كان قافل عليهم الحمام في الضلمة، وكان هيقطع لسان ابنك الصغير عشان شاف بلاويه! لو أنتي زعلان على أخوك اللي بيتاجر في السموم، تعالى شوف عيالك اللي كانوا هيتقت/لوا الليلة دي بسبب سكوتنا!”

أحمد سكت لثواني، وسماعة التليفون كانت بتنقل صوت حشرجة صدره ونشيج بكاه اللي حاول يكتمه: “أنا جاي يا هناء.. أنا قطعت التذكرة وطالع على المطار دلوقتي.. بس أقسم بالله، البيت ده مش هيدخله أمان تاني، واللي اتكسر الليلة دي مش هيتصلح طول ما أنا حي!”

قفلت الخط في وشه، وحطيت التليفون في جيبي. بصلت للشارع من شباك القسم، الفجر كان بدأ يشق الضلمة، والنور الأبيض الضعيف بدأ يملى المكان. وعرفت إن اللي جاي مش نهاية الكابوس.. ده بداية الحرب الحقيقية لما أحمد ينزل من السفر ويقف بين مراته وعياله.. وبين دم أخوه!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *