حكايات اسلام احمد 2

بصيت للشاشة، كان رقم جوزي من الغربة!

رن التليفون على الترابيزة بصوت مرعب وسط صريخ مراته، ودبة جزم العساكر اللي كانوا بيقلبوا البيت حتة حتة، ورشاش المية اللي كان لسه شغال في الحمام وبيعكس الإضاءة البيضا القاسية بتاعة كشافات المباحث. اسم جوزي كان بينور ويطفي على الشاشة المكسورة: “أحمد حبيب قلبي بيصل بك”. كان الرقم ده بالذات بالنسبة لي هو بر الأمان، بس في اللحظة دي كان زي النار اللي جاية تحرق اللي فاضل.

أنا واقفة، جسمي كله بيرجف، إيدي المدمية من صاج التراباس بتبصم دم على هدومي، وعيالي ماسكين في ركبتي زي اللي متعلقين في قشة وسط طوفان. ناصر كان مفروش على أرضية الصالة، العساكر مكتفينه من ضهره بالكلبشات الحديد، ووشه اللي سايح بدمه بينزل على سجادة الصالة اللي طالما اتقالنا إننا ملناش حق نمشي عليها. مراته كانت قاعدة على حيلها بتلطم على وشها وبترش المية على راسها وهي بتصرخ: “يا فضيحتك يا ناصر! يا خراب بيتك يا ابن أبوي! أدي أخرة المشي العوج والدوا اللي كنت بتبلعه!”

الضابط بص للتليفون اللي مبيسكتش، وبعدين بصلي بنظرة كلها شك وتفحص. مسك التليفون من على الترابيزة وقال بصوت جاف وزي الس/كينة: “ردي عليه يا مدام.. بس افتحي السبيكر.. وأقسم بالله لو نطقبي بكلمة واحدة تحذير أو ترميز، التهمة هتتلفس لك انتي كمان وتترمي في الحجز مع جوزك وأخوه!”

سحبت التليفون بأيد ترتعش، صباعي كان مبلول دم ودموع، ومسحت الشاشة بالجلابية عشان أعرف أفتح الخط. فتحت السبيكر وحطيت التليفون على الترابيزة، والصالة كلها سكتت في ثانية واحدة.. حتى العساكر وقفوا تفتيش، وبقت الأنفاس مكتومة كأننا في مقبرة.

صوت أحمد جالي من الغربة، صوت كان دافي بس مكسور من التعب، فيه وشة الخط الدولي وصوت الفصال والحديد بتاع شغل الورش برة: “ألو؟ إيه يا أم إبراهيم؟ ساكتة ليه؟ في إيه عندك؟ أنا بقالي ساعة بتصل بيكِ وبناصر، والتليفونات مقفولة أو بتعطي مشغول! قلبي أكلني عليكم، العيال بخير؟ في حاجة حصلت في البيت؟”

الدموع نزلت من عيني زي المطر. كنت عايزة أصرخ وأقوله: “تعالى يا أحمد! أخوك كان هيقت/ل عيالك! أخوك كان بيخبي السموم في حمامنا وفي بيت أبوه! أخوك كان حابسنا في الضلمة وبيعيرنا بلقمة العيش اللي بتجيبها من طين الغربة!” بس لساني كان معقود، والضابط كان واقف حاطط صباعه على شفته بيحذرني ببرود.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *