اللحظه الاخيره1

جلستُ على طرف فراشها المتروك، أستنشق بقايا رائحة المنديل المبلل بماء الورد والعنبر. فتحتُ باب الخزانة، مددتُ يدي إلى العمق، وأخرجتُ الصندوق الثقيل. وضعتُه على ركبتيَّ. كانت يداي ترتجفان وهي تدخل المفتاح الفضي في القفل الصغير. أحدث النحاس صفيراً خفيفاً، ثوانٍ معدودة… ثم انفرج الغطاء.

لم تكن هناك مجوهرات، ولا مبالغ مالية، ولا مقتنيات ثمينة بالمعنى المتعارف عليه.

كان هناك غلاف ورقي أصفر سميك، تآكلت أطرافه بفعل الزمن، ومجموعة من الرسائل المتكتلة المربوطة بخيط قطني أسود، إضافة إلى دفتر مذكرات صغير مجلد بالجلد البني ومختوم بشمع أحمر قديم تم كسر جوهره.

أمضيتُ الدقائق الأولى أصغي بذهن مشدود لأي صوت خارجي، رغم يقيني أن طارق لن يعود قبل أيام، فهو لا يزال يغرق في نعيمه الفاخر على حافة المحيط، غير مدرك أن العاصفة التي تركها خلفه سترتطم به أعتى مما يتخيل. أخذتُ الظرف الأصفر وفتحتُه بهدوء حذر.

داخل الظرف، كانت تكمن أوراق رسمية تابعة لمكتب محاماة قديم، وحجة ملكية منزلنا هذا—البيت الذي عشتُ فيه مع طارق والتي طالما أقنعني أنه اشتراه بجهده وعرقه وعمله المجهد في سنوات غربته الأولى. لكن الوثائق المبصومة بختم الشاهر العقاري كانت تقول كلاماً مغايراً تماماً:

البيت لم يكن ملكاً لطارق، ولا لوالده المتوفى. البيت، بكل مساحته وأرضه الملحقة، كان مسجلاً باسمي أنا… باسم “مريم عبد الرؤوف”!

ذهلت. اتسعت حدقتاي وأنا أقرأ السطور مراراً وتكراراً. تاريخ التسجيل يعود إلى خمسة عشر عاماً مضت! كيف يُسجل بيت بآلاف المترات باسمي دون علمي؟ ولماذا احتفظت “أمينة” بهدم هذا السر طوال هذه السنين؟

نحّيت الورقة جانباً، وأنا أحس بدوار حاد، ثم التقبتُ دفتر المذكرات الصغير. فتحت الصفحة الأولى، فوجدت خط الحاجة أمينة الواضح المائل، المكتوب بحبر أسود جاف. كانت كل كلمة تجسد وجع امرأة عاشت بين نار ضميرها ونار أمومتها.

بدأتُ أقرأ:

> *”إلى مريم… ابنتي التي لم ألدها، وحقها الذي يحاصرني حتى وأنا على فراش الموت.*

> *إذا كنتِ تقرئين هذه السطور، فهذا يعني أنني رحلت، وأن طارق قد وصل إلى القاع الذي حذرتُه منه طويلاً. أعلم أنكِ تجرعتِ مع ابن ظلم الشحّ والقسوة، وأنكِ صبرتِ على جفائه وظننتِ أنكِ بلا سند في هذا العالم بعد وفاة والدكِ. لكن الحقيقة يا مريم أشد قسوة من كل ما عانيتِه.*

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *