حكايات شيموا 2

قلت لها بعين ناشفة:

“المحامين والمصاريف دي مش بتاعتي يا خالتي… أختي وأبويا يتدبروا فيها من الفلوس اللي كانت مستخبية. أنا كل اللي يلزمك إني أجر منك الأوضة الصغيرين اللي في الملاية فوق السطوح، وأدفع لك أجرها كل أول شهر من مرتبي، لحد ما ربنا يفرجها وألاقي شقة أجرها هادي.”

الست رفضت تاخد مني جنيه في الأول، لكن بالتحايل والإصرار وافقت، وصعدت أنا والعيال فوق السطوح. الأوضة كانت صغيرة وشمسها دافية، بس كانت بمليون قصر… لأن اللقمة فيها كانت مغسولة بتعبي وعرقي.

تاني يوم الصبح، نزلت المدرسه وأنا مطبقة ما نمتش. في الاستراحة، زميلتي “ناهد” شافت وشي أصفر وعيني منفخة، سألتني بدموعها:

“مالك يا مريم؟ فيكي إيه؟”

حكيت لها على قد ما أقدر بدون ما أفضح أختي، قلت لها إني سبت بيت أبويا ومحتاجة أي شغل زيادي عشان أقدر أكفي مصاريف العيال.

ناهد مسكت إيدي وقالتلي:

“ربنا جابك في وقتك! مدرسة الدرس الخصوصي اللي جنبنا محتاجة مدرسة عربي وتأسيس للأطفال، وبيمنحوا أجر باليومية… وغير كده، فيه مشغل ملايات وسجاد يدوي صاحبتي فاتحاه ومحتاجة حد يمسك الحسابات ساعتين بعد الظهر!”

من اليوم ده، حياتي اتغيرت ١٨٠ درجة. بقيت أخرج من المدرسة الصبح، أطلع على المشغل ساعتين، وبعدها أدي دروس للأطفال في المركز للمغرب. برجع السطوح ظهري مقسوم، بس معايا قرشين حلال، أدخل على العيال ألاقيهم جمعوا بعضهم، وبنتي الكبيرة طبخت رز وبطاطس، وعيال أختي بقوا بيساعدوها وبيحبوها زي أختهم.

عدى أسبوعين، والهدوء كان بيسود حياتنا الجديدة، لحد ما في يوم، وأنا راجعة من الشغل بالليل، لقيت ولد صغير واقف مستنيني تحت بيت أم أمل…

الولد كان ابن جيران أبويا، جري عليا وهو بيلهث وقال:

“الحقي يا أبلة مريم! أباكي تعب أوي ونقلوه المستشفى… وأمك قاعدة في البيت لوحدها بتصرخ وما معهاش جنيه، والنيابة حجزت على كل حاجة في الشقة!”

نزلت شنطتي من إيدي، وعقلي اتوقف عن التفكير… أبويا في المستشفى، الشقة محجوز عليها، وأمي لوحدها مش فاهمة حاجة!

جريت على مستشفى القصر العيني، ودخلت الاستقبال وأنا بدور عليه برعب. لقيت أمي قاعدة على الأرض عند باب الرعاية المركزة، هدومها متبهدلة ووشها شاحب زي الموتى. أول ما شافتني، قامت وجريت عليا، اترمت في حضني وهي بتصرخ وتبكي بحرقة:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *