حكايات شيموا 2

أبويا قام وقفل الباب بجسمه وهو بيبكي:
“عشان خاطري يا بنتي… لو مشيتي دلوقت، الناس هتاكل وشنا، وأنا مش هتحمل النظرات.”
بصيت لأبويا وقلت له بوجع:
“إنت اللي اخترت تسكت يا بابا… وإنت اللي رضيت إن أختي تذل ولادي باللقمة. خايف من كلام الناس، وما خفتش من ربنا وإنت شايفني باتعصر كل شهر عشان أوفي طلباتكم؟”
زقيت الباب بالراحة، وخرجت أنا وولادي في ضلمة الليل، وأنا مش عارفة هروح فين، ولا معايا فلوس تكفي أجر شقة، ومعايا خمس عيال (ولادي وتلاتة عيال أختي اللي اضطريت أخد إيدهم معايا لأني ما قدرتش أسيبهم في وسط المأساة دي)…
خرجت للشارع وأنا مسكينة، بس المرة دي… كانت دماغي مرفوعة لأول مرة من سنين.
مشيت في الشارع والليل كاحل، الهواء البارد بيخبط في وشوشنا، وخمس عيال ماشيين ورايا زي الكتاكيت الخايفة. ولادي التلاتة شايلين شنطهم الصغيرة، وعيال أختي التلاتة ماسكين في طرف عبايتي وبيعيطوا بصوت مكتوم. كنت حاسة إن خطاي ثقيلة، لكن المرة دي ثقل شرف، مش ثقل ذل وكسرة.
ابني الكبير قرب مني وشد إيدي بصوت يترعش:
“ماما… إحنا رايحين فين؟ الشارع ضلمة أوي، وأنا خايف.”
بصيت له وابتسمت ابتسامة بألم، لكن فيها قوة ما عرفش جابتيها منين:
“ما تخافش يا حبيبي… طول ما بنآكل حلال وبنتقي ربنا، ربنا مش هيضيعنا. تعالوا معايا.”
ما كانش قدامي غير وجهة واحدة؛ “أم أمل”… ست كبيرة جارتنا القديمة من أيام ما كنت متجوزة، ست طيبة وساكنة لوحدها في بيت صغير على قدها، وكانت ديماً بتعزني وتعتبرني زي بنتها.
خبطت على بابها الساعة واحدة بعد نص الليل. لما فتحت وشافتني بالشنط والعيال دول كلهم، شهقت وحطت إيدها على صدرها:
“يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم! إيه ده يا بنتي؟ إيه اللي خرجكم في الوقت ده؟”
دخلتنا فوراً، وقفت المطبخ عملت شاي وعيش وجبنة للعيال اللي أكلوا بنهم غريب، وكانوا محرومين. بعد ما العيال ناموا من التعب على الكنب وفي الصالة، قعدت معاها وحكيت لها كل حاجة بالدموع… من أول القرش الحرام، لحد الضابط ما أخد أختي، وموقفي مع أبويا وأمي.
أم أمل طبت على صدرها بحزن وقالت:
“يا ساتر يا رب! الحرام عمره ما يبني بيت يا بنتي، وحبل الكذب قصير… الحمد لله إن ربنا كشف لك كل حاجة قبل ما تتورطي أو تجيبوا لنفسكم مصيبة. بس يا بنتي إنتي حملك تقيل أوي… ست عيال بمرتب مدرسة؟ هتكفي منين أكل وشرب ومصاريف نيابة ومحامين لأختك؟”



