انجي الخطيب

مرت سنتين كمان على قضية الآثار، والأيام مشيت هادية وهادية جداً، لدرجة إني بدأت أصدق إن كل الخيوط اتفكت، وإن نصيبي من المغامرة والكوابيس خلص خلاص. اشتغلت أكتر، وترقيت في شغلي، وبقيت مديرة قسم الديكور في الشركة، وحياتي أخيرًا بقى ليها إيقاع طبيعي وبسيط زي أي بنت في سني.
لحد ما جه يوم الأحد، ودخلت عليا سكرتيرة الشركة وبإيدها طرد مقفول بورق بني ورخيص، ومكتوب عليه اسمي بخط يد بالريح.
“يا أستاذة ندى، الطرد ده جه باسمك بالمكتب مع دليفري، وما رضيش يسيب اسم الراسل.”
أول ما مسكت الطرد، حسيت ببرودة غريبة سرت في صوابعي. فتحت الشريط اللاصق ببطء، وطلعت من جوه كادر خشبي قديم جداً، جواه صورة أسود وأبيض متهالكة.
الصورة كانت لفرح قديم… فرح من الثمانينيات.
في النص كان واقف حمايا وهو شاب صغير، وجنبه عروسة بفستان زفاف منفوش، ووراهم على الحيطة معلقة نفس السكينة الجرانيت ذات المقبض الخشبي!
لكن المرعب مش الصورة… المرعب كان الظهر بتاعها.
كان مكتوب بخط أحمر حبر جاف:
“السر مش في الأرض يا ندى… السر كان في العروسة. وأنتي لسه ما خرجتيش من الدايرة.”
رجليا مشالتنيش، قعدت على الكرسي وأنا بتنفس بصعوبة. أخدت الصورة وجريت على بيت العمة، الست الكبيرة اللي كانت كلمتني زمان وكشفتلي سر الأرض والآثار.
أول ما فتحتلي الباب وشافت الصورة في إيدي، وشها اصفر وجسمها بدأ يترعش. زقتني جوه الشقة وقفلت الباب بثلاث ترباسات وهي بتهسس بصوت مرعوب:
“وصلتلك الصورة؟ يالاهوي… جابوا طريقك إزاي؟!”
مسكتها من دراعها وقلت بصوت مشدود:
“مين دول يا عمة؟! حمايا وكريم في السجن محكوم عليهم بأحكام مشددة! مين اللي بيبعتلي ومين العروسة اللي في الصورة دي؟!”
الست قعدت على الكنبة وهي بتبكي وبتهز رأسها:
“العروسة دي تبقى أختي الصغرى يا ندى… العروسة الأولى! اختفت من 40 سنة، وأبويا وحماكي قالوا إنها هربت مع واحد وصعقوا العيلة كلها بالعار… بس الحقيقة مكنتش كده. أختي متهربتش… أختي هي اللي كانت العينة الأولى اللي اتعمل عليها الطقس ده، ولما رفضت تسكت…”
سكتت العمة وشاهقة بالدموع، كملت وهي بتبص في عيني بذهول:
“اللي بيحرك حمايا وكريم مش مجرد طمع في آثار… فيه عيلة ثانية كبيرة هي اللي مسؤولة عن الشفرات دي كلها، وهم فاكرين إن الشفرة الأخيرة للسر مكنتش في الفستان… الشفرة كانت منقوشة على ظهر السكينة نفسها، والسكينة دي دلوقتي محروزة في أدلة النيابة باسمك أنتي!”
في اللحظة دي، تلفوني رن بنغمة رسالة.
فتحت الشاشة، لقيت إشعار من كاميرا المراقبة اللي حطاها قدام باب شقتي الخاصة.
التسجيل المباشر كان جايب شخص واقف قدام باب شقتي، لابس زيتي ثقيل، وماسك في إيده نفس الكادر الخشبي… وبيص للكاميرا و his mouth is forming a slow, terrifying smile.
قفلت التلفون وأنا باخد نفس عميق. مكنتش نفس البنت الخايفة بتاعة ليلة الفرح اللي بتجري في السلم وبتصرخ. النادي ده والظلم ده كبروني وقووني.
بصيت للعمة وقلت بثبات يرعب:
“المرة دي مش هجري ولا هصرخ لحد يلحقني يا عمة… المرة دي أنا اللي هروح للنيابة بالصورة وبالفيديو، وهجيب البقية الباقية من العصابة دي ولو كانوا تحت الأرض.”
طلعت من الشقة، ومسكت تلفوني وطلبت رقم رئيس مباحث القضية مباشرة… وأنا عارفة إن المواجهة الأخيرة بدأت، وبكرة النور هيطلع على كل الضلمة دي للأبد.

