طـمع ونـكران ج 1 حكـايات مني السيد حصري

أكل وشرب يا دنيا، الحكاية حكاية النفوس اللي مليانة سواد وحقد، الناس اللي تبص للقمة في إيد الغلبان وتستكترها عليه، والناس اللي تدوس على كرامة خلق الله عشان تبان هي الكبيرة وهي صاحبة الفضل!
دخلت أوضة النوم بالراحة، كان جوزي نايم على السرير، وشه كان شاحب والهم راكب ملامحه حتى وهو مغمض. راجل شقيان من الفجر للمغرب في ورشته عشان يرجع بجنيه حلال يكفي بيه عياله وميخليناش نمد إيدنا لحد. اتقهرت عشانه، الست دي أمه، لحمه ودمه، وفي نفس الوقت أنا مراته وعرضه اللي بيتهان على لسان أمه في الرايحة والجاية.
قعدت على طرف السرير، وحطيت إيدي على دماغي، النوم طار من عيني تماماً. الساعة كانت ماشية بطيئة أوي، عقرب الدقايق كأنه بيجر في جبل وراه. الفجر أذن، قمت اتوضيت وصليت، وفضلت ساجدة على السجادة ودموعي نازلة زي المطر.. دعيت ربنا يظهر الحق، دعيت إنه ما يكسرنيش قدامهم، ولا يخليني سبب في خراب بيت جوزي مع أهله، بس في نفس الوقت مكنتش قادرة أسامح.. ولا هسامح في شقى أبويا وأمي اللي حماتي استكترته عليا وراحت تديه لسلفتي عشان تكسر نفسي وتفهمني إن خير أهلي مباح للكل إلا لعيالي!
الصبح طلع، والشمس دخلت من الشباك، وصوت الحركة ابتدى يدب في العمارة. أول ما الساعة دقت حداشر، سمعت دبة رجلين على السلم.. عمام جوزي وصلوا، وإخواته الشباب جم، وصوت حمايا الكبير كان جهوري وطالع من الصالة اللي تحت وهو بيسلم عليهم. جوزي صحي، بص لي ولقاني قاعدة بلبسي وصاحية من بدري، وشه اتخطف إنتي منمتيش يا سارة؟ بصيت له بثبات وهدوء غريب معرفش جبته منين النوم مش هيدوق عيني إلا لما الحق يبان يا ابن الناس. اتنهد تنهيدة شقت صدره، وقام قعد جنبي ومسك إيدي عشان خاطري أنا.. بلاش تصغرينا قدام عمامي وإخواتي، أمي ست كبيرة ومخها على قدها، وكلهم عارفين طبعها حتى لو مسكتوش.. أنا مستعد أنزل دلوقتي السوبر ماركت وأجيب لك كرتونة مكرونة وشوال سكر، بس بلاش قعدة العيلة دي، القعدات دي مبتجبش غير الفضايح والطلاق يا سارة!
شلت إيدي من إيده بالراحة ووقفت قدامه لو جبت لي دهب الدنيا كله مش هيعوضني عن كلمة واحدة حماتك قالتها عليا في الشارع! إنت سامع هي بتقول إيه برة؟ بتقول مرات ابني رفعت إيدها عليا وكانت هتضربني بالشبشب! ده كلام يتقال على مرتك وأم عيالك؟! ده كلام ترضاه ليا يا ابن الناس؟! أنا مش نازلة أتخانق، ولا نازلة أقل أدبي على أمك، أنا نازلة أقول كلمتين اتنين بس قدام أبوك وعمامك، ووالله لو حد فيهم طلعني غلطانة أو كدابة، أنا اللي هشيل شنطة هدومي وأمشي من بيتك ومش هتشوف وشي تاني!
جوزي وشه احمر وعروق رقبته نفرت، بس سكت.. كان عارف إني مظلومة وعارف إن السكوت المرة دي معناه إنه يدفن كرامته وكرامتي تحت رجلين أمه للأبد.
الساعة دقت واحدة ونص، بعد ما صلاة الجمعة خلصت، وصوت الدوشة تحت كان مالي العمارة.. العيلة كلها متجمعة في شقة حمايا الكبيرة، والضحك وصوت الفناجين والرجالة بيتكلموا في أحوال السوق والعيال الصغيرة بتجري في المدخل.
قمت وقفت قدام المراية، لبست عبايتي السودة وطرحتي، وظبطت نفسي.. مكنتش رايحة وأنا ضعيفة ولا عيني مكسورة، كنت رايحة بحقي وشقى أهلي اللي حماتي أرادت تاكله وتذلني بيه.
فتحت باب الشقة ونزلت السلالم.. وكل خطوة كانت بتنزل زي المرزبة على قلبي. جوزي نزل ورايا بسرعة، وحط إيده على كتفي قبل ما أدخل باب الشقة، وهمس في ودني بصوت مقهور ربنا يسترها.. خليكي هادية عشان عيالنا.
زقيت الباب برجلي ودخلت الصالة.. الصوت هدي فجأة، وكأن حد قطع الكهربا عن المكان!
حمايا كان قاعد على الكنبة الكبيرة في الصدر، وجنبه عمام جوزي الاتنين، وإخوات جوزي الرجالة قاعدين على الكراسي، وعلى جنب كانت قاعدة حماتي، متلفحة بشالها وحاطة وش المسكنة والغلابة، وسلايفي قاعدين حواليها.. وهبة سلفتي كانت قاعدة في أبعد ركن، عنيها في الأرض ومبترفعهاش خالص.
أول ما رجلي خطت الصالة، حماتي شهقت شهقة مسرحية ولطمت على صدرها أهي جات اهيه! شفتوا الفاجرة اللي مبتحترمش شيبة ولا سن؟ جاية بوشها البارد تدخل بيتي بعد ما بهدلتني وشتمتني وطردتني من شقتها؟!
الرجالة كلهم اتلفتوا وبصوا لي، وعم جوزي الكبير اتنحنح وقال بصوت ناشف في إيه يا جماعة؟ عيب الكلام ده، إحنا لسه مصلين الجمعة.. استهدي بالله يا حاجة، وإنتي يا بنتي تعالي اقعدي وافهمينا إيه اللي حصل ده، ده إحنا من الصبح بنسمع كلام ميرضيش ربنا ولا يرضي الأصول!
بصيت لحمايا ولعمام جوزي بكل هدوء، ومبصتش لحماتي خالص عشان مستفزش نفسي.. وقفت في نص الصالة، ولسه بفتح بقي عشان أقول السلام عليكم، اسمعوا مني الكلمتين دول وافرزوا الحق من الباطل…
لقيت باب الشقة الخارجي بيتفتح فجأة بعنف، ودخلت واحدة خلت الصالة كلها تتلجم.. دي كانت أمي!
أمي جاية وشايلة في إيدها شنطة قماش كبيرة، ووراها أبويا ساند على عكازه وماشي ببطء.. أمي بصت في نص الصالة، وشافتني واقفة، وراحت باصة لحماتي وقالت بصوت رج العمارة كلها السلام عليكم يا أهل الأصول.. جايين نرد الأمانة ولا جايين تاكلوا حق بنتي بالكدب والبهتان قدام الرجالة دول كلهم؟!
الصالة اتقلبت في ثانية، وحمايا
وقف على حيله مذهول الحاجة أم سارة؟! في إيه يا جماعة؟ هو الموضوع وصل لكده؟!
أمي حطت الشنطة في نص الصالة على السجادة، وبصت لحماتي اللي وشها جاب ميت لون وبقت تفرك في إيدها بتوتر، وقالت بصوت مسموع للكل واصل وأكتر من كده يا حاج.. بنتي مش مقطوعة من شجرة عشان يتقال عليها في الحارة إنها قليلة الأدب وحرامية وعايزة تمد إيدها على حماتها عشان كيسين سكر وشوية مكرونة! أنا جاية وجايبة معايا الراجل اللي مشتريلكم السكر ده بإيده وبفاتورته، وجاية أقولكم مين الحرامي ومين اللي بياكل عرق الناس!
في اللحظة دي، جوز سلفتي وقف بغضب وزعق إيه الكلام ده يا حاجة؟! إنتي بتلمحي على مين؟ أمي ست شريفة ومتاكلش حرام!
وهنا.. سلفتي هبة وقفت فجأة من مكانها، وعينيها بتطق شرار وخوف في نفس الوقت، وصرخت بصوت عالي قطع كلام جوزها بس بقى حرام عليكم! كفاية ظلم لحد كده.. السكر أهو في مطبخي يا رجالة، وحماتي هي اللي جابتهولي بإيدها وقالت لي سلفتك مش عايزاه!
الصمت نزل على الصالة زي الصاعقة.. حماتي اتسمرت مكانها وعينيها جحظت، وكل رجالة العيلة لفت وشها وبصت لحماتي اللي لسانها اتشل ومبقتش عارفة تنطق بحرف واحد!
يتبع

