ورثت عربية

عدت الشهور.
حاولت أبدأ حياتي من جديد.
دورت على شغل، وانشغلت في يومي، وحاولت على قد ما أقدر ما أفكرش في موضوع الميراث.
لكن كان في سؤال واحد بيرجعلي كل مرة
ليه العربية؟
كل ما أعدي من قدام بيت أهلي، كنت ببص ناحية الجراج.
وأفتكر العربية.
العربية اللي كانت بالنسبة للناس مجرد خردة قديمة
لكن بالنسبة لأبويا كان ليها قيمة غريبة.
في ليلة، ماقدرتش أنام.
فضلت أفكر فيها.
وبعدين أخدت قرار.
قلت لنفسي
لا لازم أعرف بابا كان عايز إيه.
روحت للجراج القديم.
لما حاولت أفتح الباب، فتح بصعوبة، وصوت المفصلات عمل صرير عالي في المكان الهادي.
دخلت.
كانت ريحة الجراج خليط من التراب، والخشب القديم، والبنزين.
نور اللمبة الصغير المعلق في السقف كان ضعيف، لكنه كان كفاية يخليني أشوف العربية واقفة في مكانها.
نفس العربية.
مغطاة بطبقة تراب تقيلة.
قربت منها ببطء.
مسحت بإيدي جزء من التراب عن الكبوت.
وفجأة حسيت بغصة في حلقي.
افتكرت أبويا.
افتكرت وأنا طفلة، لما كان بياخدني معاه مشاوير بالعربية دي.
افتكرت إنه كان دايمًا بيحافظ عليها بشكل غريب.
كان يرفض تمامًا إني أحط أي حاجة تقيلة عليها.
وكنت دايمًا مستغربة.
كنت بقول لنفسي
هي العربية دي فيها إيه يعني؟
كنت فاكرة إنه متعلق بيها علشان كانت عربيته القديمة.
لكن وقتها بدأت أحس إن الموضوع كان أكبر من كده.
فتحت باب السواق.
وقعدت مكان أبويا.
للحظة، حسيت كأني رجعت طفلة تاني.
بصيت على الكرسي.
كانت قفازات السواقة القديمة بتاعة أبويا لسه موجودة.
بصيت في المراية.
ولقيت سلسلة المفاتيح اللي كان بيحبها لسه معلقة مكانها.
مديت إيدي على التابلوه.
وفي اللحظة دي
لاحظت حاجة غريبة.
جزء صغير من الخشب الموجود جنب عجلة القيادة كان بارز شوية.
وقفت أبص عليه.
قربت ومررت صوابعي عليه.
كان فيه حاجة مش طبيعية.
ضغطت عليه بحذر.
وفجأة
سمعت صوت كليك.
اتجمدت مكاني.
بصيت قدامي.
جزء من التابلوه بدأ يتحرك ببطء
وبعد ثواني، ظهر درج سري صغير جوه العربية.
درج أنا عمري ما شوفته قبل كده.
ومستحيل حد يتخيل أصلًا إن فيه مكان مخفي بالشكل
ده.
إيدي بدأت تترعش.
فتحت الدرج.
ولقيت جواه ظرف سميك قديم.
كان مقفول بإحكام، وواضح إنه متخبي من سنين طويلة.
لكن اللي خلاني أرتعب أكتر
إن على الظرف كان مكتوب بخط إيد أبويا
لابنتي فقط.
وقتها قلبي بدأ يدق بسرعة.
قعدت مكاني وأنا مش عارفة أفتح الظرف ولا لأ.
لكن في الآخر فتحته.
طلعت الورقة.
وأول ما بدأت أقرأ
عيني اتمَلّت دموع.
أبويا كان كاتبلي إنه سابلي العربية دي عن قصد.
ماكانش ناسي يغير الوصية.
وماكانش بيحاول يقلل مني.
بالعكس
هو اختار العربية دي بالذات لأنه كان متأكد إني الوحيدة اللي ممكن أحتفظ بيها، وأي حد تاني كان هيبيعها أو يتخلص منها باعتبارها خردة.
لكن السبب الحقيقي كان أخطر بكتير.
أبويا كتب إنه قبل وفاته بفترة، بدأ يشك في أخويا.
كان حاسس إن في حاجة غلط بتحصل جوه الشركة.
وبعد ما بدأ يراجع الحسابات بنفسه، اكتشف حاجات صادمة.
أخويا كان بيسحب فلوس من الشركة في السر على مدار سنين.
مش بس كده
كان بيزوّر بعض المستندات والأوراق المالية علشان يخفي اللي بيعمله.
أبويا كان بدأ يجمع الأدلة بنفسه.
وكان ناوي يواجهه.
لكن الوقت ماكفّاش.
وقتها بدأت أقرأ بسرعة أكبر.
كان في حاجة تانية جوه الظرف.
فلاشة USB صغيرة.
مسكتها وأنا مش مصدقة.
أبويا كان حاطط فيها نسخ من تحويلات بنكية، وعقود، ومراسلات، ومستندات كان جمعها قبل وفاته.
كلها بتثبت إن في عمليات مالية مشبوهة حصلت من ورا ضهره.
وفي آخر الرسالة، كتبلي جملة عمري ما هنساها
لو إنتِ بتقري الكلام ده دلوقتي، يبقى الحقيقة أخيرًا وصلتلك ماتسمحيش لحد يسرق اللي إحنا بنيناه طول عمرنا.
فضلت قاعدة في العربية وأنا بعيط.
ساعتها فهمت كل حاجة.
فهمت ليه أبويا ساب لأخويا كل حاجة.
وفهمت ليه سابلي العربية القديمة.
هو ماكانش بيديني أقل حاجة هو كان بيديني مفتاح الحقيقة.


