بقالى 6 سنين بدفع فاتورة الميه بتاعة جارتي العجوز في السر، وكانت الفاتورة غالبًا 900 جنيه، وكنت متأكدة إنها عمرها ما عرفت. لكن الصبح اللي بعد جنازتها، ابنها ظهر على باب بيتي ومعاه محامي، واتهمني إني استغليت ست عجوز وضعيفة، وطلب يعرف أنا كنت مستنية إيه مقابل اللي عملته. وبعدها قال إن أمه غيّرت وصيتها قبل ما تموت. ساعتها دخلت بهدوء وجبت الظرف المقفول اللي كانت الحاجة فاطمة وصتني عمري ما أفتحه. المحامي قرأ أول صفحة مرتين… وبعدين رفع عينيه لابنها وسأله سؤالًا واحدًا خلّى الغضب يختفي من وشه تمامًا. الجزء الأول بقالى ست سنين وأنا بدفع فاتورة الميه بتاعة البيت اللي جنبنا في السر. كنت فاكرة إن الحاجة فاطمة، جارتي اللي عدّت التمانين، عمرها ما عرفت. اسمها الحقيقي كان فاطمة عبد الرحيم، وكانت عندها 84 سنة لما ماتت. كانت ساكنة في البيت اللي جنب بيتي من سنة 1972. بيت قديم مبني بالطوب الأحمر، بلكونته الصغيرة وسور واطي، وكانت فيه شجرة ياسمين كبيرة اتزرعت من أيام جوزها. بعد ما جوزها مات سنة 2009، البيت بدأ يهدى واحدة واحدة. الورد اللي كانت بتحبه كبر من غير تقليم. درجات السلم بدأت تتآكل. وحتى اللمبة اللي فوق باب البيت بطلت تنور. لكن الحاجة فاطمة كانت مصممة تعيش لوحدها. كانت ست قوية، عنيدة شوية، ومش بتحب حد يحسسها إنها محتاجة لحد. في ربيع سنة 2020، وأنا راجعة من مشوار، لقيت ورقة محطوطة على باب بيتها. كانت إنذار بقطع الميه بسبب فاتورة متأخرة. بصيت للبيت. ولقيت الحاجة فاطمة قاعدة جوه الصالة. ما حبيتش أقول لها. لأني عارفة إنها لو عرفت، هتقول: — أنا هدفعها. حتى لو كانت مش معاها الفلوس. شلت الورقة من على الباب. دخلت بيتي. واتصلت بشركة الميه، ودفعت المتأخرات من خدمة الدفع الإلكتروني. كانت الفاتورة وقتها حوالي 900 جنيه. ومن يومها… بقيت أدفعها كل شهر. 900 جنيه. وأحيانًا أكتر أو أقل حسب الاستهلاك. من غير ما أقول لها. كنت عارفة إن لو عرضت عليها الفلوس بشكل مباشر، هترفض. ولو قلت لها إني بدفع الفاتورة، كانت هتحس بالإحراج كل مرة نتقابل فيها قدام صندوق البريد. هي كانت فقدت جوزها. وفقدت معظم أصحابها. وبعد ما بقت تخاف تسوق بالليل، بدأت تعتمد على المشي أو التاكسي. ما كنتش شايفة إن من حقّي آخد منها كمان إحساسها بكرامتها. كنت بقول لنفسي: أنا بدفع فاتورة ميه، مش بشتري فضل عندها. ومرت السنين. وفي يوم، توفت الحاجة فاطمة. حضرت جنازتها. وقفت بعيد وأنا ببص لابنها طارق. كان جاي من القاهرة، ووشه باين عليه الحزن، لكني ما كنتش شوفته كتير قبل كده. بعد الجنازة، رجعت بيتي. وكنت فاكرة إن الحكاية انتهت. لكن الصبح اللي بعده… خبط حد على بابي. فتحت. لقيت طارق واقف. وجنبه راجل لابس بدلة وماسك ملف. قال: — مدام نادية؟ قلت: — أيوه. الراجل مد إيده. — أنا الأستاذ سامح بدوي، محامي العيلة. ممكن ندخل نتكلم؟ بصيت له. وبعدين لطارق. وقلت: — اتفضلوا على الباب. دخل طارق في الموضوع من غير مقدمات. طلع ورقة قديمة. — لقيت دي في مكتب أمي. بصيت للورقة. كانت فاتورة ميه. وفي أعلاها… اسمي مكتوب بخط إيد الحاجة فاطمة. وتحت اسمي كانت كاتبة: «نادية هي اللي بتدفع الفاتورة من سنة 2020. وهتنكر إنها عملت حاجة خاصة. ما تحرجهاش بالكلام.» حسيت بقلبي ينقبض. كنت فاكرة إن سري محدش يعرفه. طارق قال: — أمي كانت عارفة كل حاجة. ما عرفت أقول إيه. لكنه كمل بنبرة اتهام: — وبعد ما عرفت، غيّرت وصيتها. رفعت عيني له. — غيرت وصيتها؟ ضحك بسخرية. — أيوه. المحامي فتح الملف. — قبل وفاتها بثلاث أيام، المحامي اللي كان بيتابع شؤون والدتك بعت لك نسخة من الوصية الجديدة؟ طارق قال: — أيوه. وبص لي مباشرة. — وأعتقد إنك عارفة هي كتبت إيه. قلت: — والله ما أعرف. ابتسم ابتسامة باردة. — بلاش تمثلي. المحامي تدخل: — إحنا مش بنتهمك بحاجة. لكن بما إن فيه مساعدات مالية منتظمة حصلت لصالح السيدة فاطمة، فلازم نتأكد إن ما كانش فيه تأثير غير مناسب عليها. بصيت له باستغراب. — مساعدات مالية؟ طارق رد: — إنتِ دفعتي فواتيرها ست سنين. — عشان الميه ما تتقطعش عنها. — وليه؟ — لأنها كانت جارتي. طارق قرب خطوة. — وإنتِ كنتِ مستنية إيه في المقابل؟ بصيت له. — ولا حاجة. — ولا البيت؟ سكت. — ولا الفلوس؟ — ولا حاجة. — أمال عملتي كده ليه؟ قلت: — عشان ما كانش ينفع أسيب ست عندها 84 سنة من غير ميه. طارق قال بغضب: — أمي كانت ضعيفة وسهل التأثير عليها. الكلمة دي استفزتني. قلت له: — أمك كانت كبيرة في السن، آه. لكن عمرها ما كانت ضعيفة. المحامي بص لي وقال: — طيب، عندك أي دليل إن السيدة فاطمة كانت واعية تمامًا لقراراتها المالية؟ فضلت ساكتة ثواني. وبعدين قلت: — عندي حاجة. دخلت البيت. فتحت درج قديم في دولابي. وطلعت ظرف بني مقفول بالشمع. الحاجة فاطمة كانت ادتهولي قبل وفاتها بحوالي شهر. وقالت لي: — نادية، خلي الظرف ده عندك. وما تفتحيهوش مهما حصل. وقتها سألتها: — طب لو حصل لك حاجة؟ قالت: — ساعتها هتعرفي تسلميه لمين. ما سألتهاش أكتر. رجعت للصالون وحطيت الظرف قدام المحامي. طارق بص له باستغراب. — إيه ده؟ قلت: — الحاجة فاطمة ادتهولي. المحامي أخده. فك الشمع. طلع أول ورقة. بدأ يقرأ. قرأ السطر الأول. وبعدين رجع قرأه تاني. وشه اتغير. طارق قال: — في إيه؟ المحامي ما ردش. كمل القراءة. وبعدين رفع عينيه ببطء ناحية طارق. وقال: — طارق… والدتك كانت موثقة كل حاجة. طارق اتوتر. — موثقة إيه؟ المحامي قلب الورقة. — الفلوس اللي خرجت من حسابها خلال آخر أربع سنين. طارق ابتلع ريقه. — وإيه علاقتها بنادية؟ المحامي بص له في عينه وقال: — نادية ما أخدتش من والدتك جنيه واحد. سكت لحظة. وبعدين أضاف: — لكن فيه شخص تاني أخذ منها مبلغًا كبيرًا جدًا… ووالدتك كانت محتفظة بكل الأدلة. طارق وشه اتغير. — مين؟ المحامي ما ردش. قلب الصفحة التالية. وكان أول اسم ظاهر عليها… اسم طارق نفسه. والأسوأ من كده… إن الحاجة فاطمة كانت كاتبة بخط إيدها جملة قصيرة تحت الاسم: «ابني كذب عليّ، وسرق فلوسي، ولما عرف إني اكتشفت الحقيقة حاول يثبت إني بقيت غير قادرة على اتخاذ قراراتي.» طارق اتجمد مكانه. أما أنا… فبدأت أفهم ليه الحاجة فاطمة أصرت إني ما أفتحش الظرف إلا بعد وفاتها. لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها… إن الورقة الأخيرة في الظرف كانت هتفسر ليه الحاجة فاطمة كتبت اسمي أنا تحديدًا في وصيتها الجديدة. وليه اختارتني أنا، رغم إننا مجرد جارتين. فماذا تركت لي الحاجة فاطمة؟ ولماذا كان ابنها يحاول اتهامي بالتحديد قبل أن يعرف ما في الظرف؟ وقفت في منتصف الصالون وعيناي تتنقلان بين وجه المحامي الأستاذ سامح ووجه طارق الذي تحول من الحمرة الناجمة عن الغضب إلى صفار قاتم يبدو كالموت. صمتٌ ثقيل أطبق على المكان، لم يكن يقطعه سوى صوت أنفاس طارق المتلاحقة وهو يحاول استيعاب ما يجري. المحامي رفع نظارته قليلاً، وهز رأسه وهو يقلب بين الأوراق التابعة للتقرير المالي المرفق بالظرف. كانت كل ورقة تحتوي على كشوفات حسابات بنكية دقيقة، وتحويلات سريعة، وإيصالات استلام مبالغ نقدية تُثبت أن طارق كان يسحب أموال أمه على فترات متباعدة، يستغل ثقتها وغياب جوزها، ويوقع نيابة عنها أو يدفعها للتوقيع على أوراق تصفية لبعض شهادات الاستثمار بحجة استثمارها في مشاريع وهمية. قال المحامي بصوت هادئ ولكنه حاسم : — يا طارق… والدتك الله يرحمها سجلت التقرير ده عند محامي تاني غيري، ووثقت كل تحويل بنكي وكل إيصال بأرقام التاريخ والوقت. بل إنها مرفقة هنا تقرير طبي كامل من لجنة ثلاثية جرت قبل سنة واحدة فقط، بتأكد إنها في كامل قواها العقلية، وأنها تعي تمامًا كل تصرفاتها المالية وتفاصيل ممتلكاتها. طرأت على وجه طارق علامات الذعر، وتراجع خطوة إلى الخلف وكأنه يحاول الهروب من المواجهة، لكنه حاول التماسك وقائلًا بصوت يرتجف: — الكلام ده غير صحيح! أمي كانت كبيرة… أكيد حد أثر عليها أو كتب الورق ده بدالها! ردت أنا بصوت ثابت لم أعهده في نفسي من قبل: — الحاجة فاطمة عمرها ما كانت محتاجة حد يفكر بدالها يا طارق. كانت كل يوم تقعد قدام شجرة الياسمين وتقرأ جريدتها وتتابع حساباتها بالقرش. إنت اللي كنت فاكر إن غيابك عن البيت ومجيك كل كام شهر هيداروا على اللي بتعمله. المحامي لم يلتفت لاعتراضات طارق، بل قلب الصفحة الأخيرة من الظرف، وكانت عبارة عن ملحق للوصية الرسمية المعتمدة ومكتوبة بخط يد الحاجة فاطمة الواضح والجميل، ومختومة بخاتم الشهر العقاري. بانت على وجه المحامي دهشة جديدة وهو يقرأ السطور، ثم أخرج زفيرًا طويلاً ونظر إليّ مباشرة. قال المحامي: — مدام نادية… الحاجة فاطمة لم تترك لك البيت كما كان يظن ابنها، ولكنها كتبت شيئًا آخر كليًا. تسمرت في مكاني، بينما اندفع طارق للآمام وهو يقول بغضب: — كتبت لها إيه؟ كتبت لها الفلوس؟ المحامي وضع يده على الصفحة وقال بصوت مسموع: — الحاجة فاطمة جعلت المنزل كوقف خيرى مستقل تحت إدارة وإشراف مدام نادية طوال حياتها، ليكون مأوى للأرامل والمسنات اللاتي لا يجدن من يرعاهن، بشرط ألا يُباع البيت أو يُورث لطارق أو أي من ورثته، نظرًا لاستيلائه مسبقًا على ما يعادل نصيبه الشرعي وزيادة من أموالها بالباطل خلال حياتها. ثم توقف المحامي قليلاً وأكمل القراءة: — وأوصت الحاجة فاطمة بأن تُخصص جميع عوائد الشقة المملوكة لها في وسط البلد لسداد كافة الفواتير والمصاريف التي دفعتها نادية طوال الست سنوات الماضية، مع رد كل مليم أُنفق عليها بالكامل مرفقًا بشكر خاص على حفظ كرامتها وعدم إحراجها. ساد الصمت من جديد. تجمعت الدموع في عيني وأنا أتذكر كلامها لي دائماً وهي تجلس في البلكونة: “يا نادية، الست لما تكبر في السن مش بتحتاج شفقة، بتحتاج تحس إنها لسه ليها قيمة وما تتقلش على حد”. طارق انقبض وجهه وتغيرت نبرته تمامًا، متراجعًا عن لغة ليتحول إلى رجاء مرتبك ومخاتل: — أستاذ سامح… أكيد الوصية دي فيها بطلان! إزاي توهب البيت وتطلعني من كل حاجة؟ أنا ابنها الوحيد! رد المحامي وهو يغلق الملف بصرامة: — التقرير الطبي المرفق والأدلة الموثقة على المبالغ التي أخذتها بدون وجه حق تحميان الوصية تمامًا من أي طعن يا طارق. والدتك أخذت احتياطاتها كاملة لأنها كانت تعلم أنك ستأتي فور وفاتها محاولاً التشكيك في أهليتها واستغلال من حولها. الآن وضحت لي الرؤية تمامًا. عرفت لماذا كان طارق يحاول اتهامي منذ اللحظة الأولى؛ لم يكن ينقب عن الحقيقة، بل كان يحاول استخدام دفعي للفواتير كذريعة لإثبات أن أمه كانت غير قادرة على إدارة شؤونها المالية وأنني استغللتها، ليطعن في أهلية أمه وينقض الوصية التي كان يعلم أو يشك أنها حرمته من البيت الذي طمع فيه. وقف طارق ينظر إليّ بنظرات غل مكتومة، ثم أخذ يلملم أوراقه وارتباكه، وقال بحدة وهو يتجه نحو الباب: — الموضوع ده مش ينتهي هنا يا نادية… المحاكم بيننا. خرج طارق مسرعًا وترك الباب مفتوحًا خلفه، بينما ظل المحامي سامح واقفًا ومسك بالظرف المتبقي وأعطاني إياه بهدوء. قال المحامي: — مدام نادية، الأوراق دي أمانة عندك، والوصية نافذة بقوة القانون. الحاجة فاطمة كانت عارفة اختيارها كويس، وعارفة مين اللي صان كرامتها ومين اللي حاول يستغلها. أخذت الظرف بين يدي وأنا أشعر بثقل الأمانة، لكنني نظرت من الناقية إلى بيت الحاجة فاطمة، إلى شجرة الياسمين التي أزهرت في السور الواطي، وعرفت أن الحكاية لم تنتهِ بعد، وأن مواجهتي مع طارق في المحاكم أو خارجها قد بدأت للتو لتنفيذ وصية جارتي وحماية بيتها.