حماتي وضرتي ج 2 حكايات مني السيد
خرجت من باب قسم النساء والتوليد، والهوا البارد اللي برة المستشفى خبط في وشي كأنه بيرد فيا الروح من جديد. لأول مرة من خمس سنين أستنشق هواء حقيقي، مش ملوث بريحة الظلم وكلام حماتي المسموم وكسرة عيني اللي فرضتها على نفسي بحجة “الأصل والجدعنة”.
ورايا جوة، كان صوت الصراخ والعياط طالع من الأوضة مسموح لأخر الممر… صوت الحاجة فايزة وهي بتنادي على كريم، وصوت كريم وهو بيتخانق مع ندى، والناس في صالة الانتظار بيتهامسوا وعيونهم زي الفلاشات بتطارد السر اللي اتفضح بعد طول كتمان. بس أنا؟ ما بصلتش ورايا ولا خطوة واحدة. اللي يبيعك بكلمة، ما يلزمهوش حتى تحس بالشفقة عليه لما الدواير تدور عليه.
ركبت عربيتي، وقعدت ورا الدركسيون ثواني… دموعي نزلت، بس مش دموع حزن، كانت دموع القهر اللي اتحبس جوة صدري كل السنين دي وأخيرًا خرج. دموع الفرج. شغلت العربية ومشيت على بيتي… بيتي اللي تحول مع الأيام لسجن، والنهارده بس قررت أهده فوق رؤوس اللي ظلموني.
وصلت الشقة، فتحت الباب ودخلت. المكان كان هادي، صامت، زي المقبرة. لميت هدومي بالراحة وبمنتهى الثبات. فتحت الشنط وحطيت فيها كل حاجة تخصني: أوراقي، شهاداتي، هدومي، حتى الصور اللي كانت بتجمعني بكريم رميتها في سلة القمامة من غير ما يرف لي جفن.
وأنا بلم حاجتي، الباب اتفتح وفجأة دخل كريم.
كان شكله يرحم… وش أصفر، عينيه جاحظة، قميصه متبهدل، ورجليه مش شايلاه. أول ما شاف الشنط مفتوحة على السرير، جرى عليا ورمى نفسه عند رجلي، مسك في رجلي وبكى بصوت طالع بالعافية زي الأطفال:
“إيمان… أرجوكي يا إيمان ما تمشيش! أنا آسف… والله العظيم آسف! أنا كنت ضعيف، كنت خايف أواجه أمي، كنت خايف من نظرة الناس ليا إني مش راجل! إنتي عارفة مجتمعنا بيعمل إيه في الراجل اللي ما بيخلفش! سامحيني يا إيمان وحقك على راسي!”
بصيت له من فوق لتحت ببرود أشد من الثلج. نفضت رجلي من إيده بقوة، ورجعت خطوة لورا:
“انطق يا كريم… قوم اقف على حيلك بلاش تمثيل. الخوف من الناس يخليك تظلم مرتك؟ الخوف يخليك تبص لأمك وهي بتهينني وبتناديني ‘الشجرة الناشفة’ وانت واقف ساكت وموافق؟ ده مش ضعف يا كريم… دي خيانة ونذالة! انت مش بس سبتني أتشال ذنبك، انت رحت اتجوزت وحدة تانية واتفقت معاها تجيب لك عيل من الشارع عشان تستر على نفسك وتلبسني أنا العار!”
كريم هز رأسه بنفي بهستيريا: “والله العظيم ما كنت أعرف إن الجنين مش مني! هي خدعتني! قالت لي إنها بتحبني وهتقبل تعيش معايا بشرطي، وأنا صدقتها… أنا كنت أعمى يا إيمان!”
“انت مريض يا كريم،” قلتها وأنا بقفل سوستة الشنطة الأخيرة بصوت حاد: “مريض بكبرياء زائف. أخدت ستر ربي ليك ودست عليه، وبعت الست اللي صانتك وشالت سرك خمس سنين كاملة عشان شوية منظرة قدام أمك والشارع. دلوقتي الحقيقة خرجت، والناس كلها عرفت مين الشجرة الناشفة، ومين اللي بيخدع مين.”
سحبت الشنط ومشيت ناحية الباب، وقف قدامي وهو بيحاول يمنعني: “مش هسيبك تمشي يا إيمان! أنا بحبك… إنتي الحقيقة الوحيدة في حياتي!”
ضحكت بصوت عالٍ… ضحكة مفيهاش أي فرحة: “تحبني؟ انت ما بتحبش غير نفسك يا كريم. لو بتحبني بجد كنت حميتني من أسلوب أمك. ابعد عن طريقي بدل ما الم عليك العمارة باللي حصل في العيادة النهارده، وانت عارف إن الممرضات زمانهم وزعوا الخبر على مصر كلها.”
الكلمة جمدته في مكانه. خاف من الفضيحة أكتر ما خاف إنه يخسرني. ساب الباب ووقف يترعش، وأنا فتحت الباب وخرجت، وسيبته في الممر واقف لوحده مع ضياعه.
تاني يوم الصبح…
كنت قاعدة في مكتبي بالعيادة الخاصة بيا، مش مستشفى الحكومة. المكان كان هادي، والشمس داخلة من الشباك بتنور كل ركن. كنت حاسة براحة نفسية ما حسيتهاش من سنين طويلة. كأن جبل كان شايله صدري واتنزع بلمسة واحدة.
الباب اتفتح، ودخل المحامي بتاعي، وحط قدامي ورقة رسمية.
“تمام يا دكتورة إيمان… القضايا جاهزة، وورقة الطلاق للضرر اترُفعت اليوم، والتقرير الطبي المرفق في القاضية معاه شهادة الشهود من الممرضات يضمن لك كل حقوقك وبسرعة القياسية كمان.”
ابتسمت له وقلت: “شكراً يا أستاذ أحمد… أنا مش عايزة منه غير حريتي وحقوقي الشرعية، مش عايزة أي حاجة تفكرني بيه.”
وفجأة… الباب اتفتح من غير استئذان.
المرة دي، كانت الحاجة فايزة.
بس ما كانتش الحاجة فايزة بتاعة إمبارح. ما كانتش الست المتبخترة اللي داخلة بشرها وغرورها وتناديني باستهزاء. كانت واحدة ثانية خالص… ظهرها منحني، وشها دبلان، عينها مكسورة، ولابسة طرحتها بأي كلام كأنها خرجت من بيتها في حالة ذهول.
المحامي قام وقف واستأذن وخرج وسابنا لوحدنا.
وقفت الحاجة فايزة قدام مكتبي، بس المرة دي ما قعدتش ولا فتحت بقها بكلمة فرعنة. كانت بتبص لي بنظرة فيها التماس ورجاء… كسرة العين وحشة، خصوصاً لما تيجي للي كان فاكر نفسه فوق البشر.
“عايزة إيه يا حاجة فايزة؟” قلتها بهدوء وأنا بقلب في أوراق أمامي على المكتب: “جاية تكشفي ولا جاية تطمني على الحفيد؟”
الكلمة نزلت عليها زي الس\كين. شفايفها اترعشت وقالت بصوت مكسور وبحششرة: “إيمان… يا بنتي…”
“بنتك؟” رفعت راسي وبصيت لها بثبات: “من إمتى بقيت بنتك؟ مش أنا كنت الشجرة الناشفة؟ مش أنا اللي مش ينفع أكون أم؟ مش أنا اللي كنتي بتدخلي عليا قدام الناس وتقوليلي ربنا رزق ابني بالست اللي تديله الوريث؟”
دمعة نزلت من عين الحاجة فايزة، مسحتها ببدل طرحتها وخطت خطوة قرب المكتب: “أنا غلطت في حقك يا إيمان… والله العظيم غلطت. أنا كنت عمياء… ابنك وندى خدعوني، كريم حرق قلبي وكسر ظهري قدام الناقص والزايد. البيت اتخرب يا إيمان… ندى هربت عند أهلها بعد ما كريم طردها وضربها، والناس في المنطقة ما حيلتهمش غير الكلام علينا… كريم قاعد في الأوضة قافل على نفسه ومش راضي يكلم حد ولا يأكل… البيت انهد على دماغنا.”
سمعتها وأنا حاسة برود تام. مش شماتة، بس إحساس بالحقيقة لما تأخد مجراها الطبيعي.
“وانتِ جاية لي ليه دلوقتي يا حاجة؟” سألتها بهدوء.
حطت إيدها على المكتب وبكت بمرارة: “تعالي ارجعي يا بنتي… ارجعي وكتم الأسرار. تعالي نلم الموضوع، ونقول إن التقرير ده كان غلط، وإن كريم كان بيتعالج وسليم… ارجعي وحافظي على بيتك وجوزك، وأنا والله العظيم لأشيلك على راسي من فوق، ومش هخلي كلمة تطلع مني تزعلك العمر كله!”
ابتسمت لها ابتسامة حسرة على تفكيرها… لسه لحد دلوقتي بتفكر في كلام الناس والمنظرة، لسه ما اتعلمتش الدرس.
“ترجعي للكدب تاني يا حاجة فايزة؟” قلتها وأنا بقوم أقف قدامها: “عايزاني أرجع للظلم والتمثيل عشان أستر على ابنك اللي ظلمني؟ خمس سنين وأنا ساكتة وبدفع من صحتي وكرامتي ونفسيتي عشان أستر عليه، وفي الآخر رحتوا اتجوزتوا عليا وجبتوا لي وحدة تتنطط عليا في عيادتي! انتِ ما جيتيش هنا عشان بتحبيني يا حاجة… انتِ جيتي عشان خايفة من الفضيحة، خايفة من نظرة جيرانك وقرايبك لما يعرفوا إن الست اللي كنتي بتهينيها هي اللي كانت ستراكم، وإن ابنك اللي كنتي بتباهي بيه هو اللي فيه العيب!”
مسكت أوراق الطلاق وحطيتها قدامها: “أنا خلاص… الطلاق شغال في المحكمة، والسر اللي حكايته إمبارح قدام الممرضات بقى ملك الناس كلها. أنا مش هكدب تاني، ولا هداري على حد. الشجرة الناشفة اللي كنتي بتتريقي عليها… طلعت هي الشجرة الوحيدة اللي كانت مدلية أصل وطيبة وحماية لبيتك، بس انتِ قطعتي الفأس بإيديك.”
الحاجة فايزة بصت للورق، وبعدين بصت لي وهي مش قادرة تتكلم. عرفت إن خلاص مفيش أمل، وإن القصر الزجاجي اللي بنته من الكبر والغرور اتهدم فوق راسها وراس ابنها للأبد.
عدت شهور…
حياتي اتغيرت تماماً. العيادة كبرت وبقت من أشهر العيادات في المنطقة، اسمي دكتورة إيمان بقى مرتبط بالنجاح والقوة. الناس بقت بتجيلي مش بس عشان أطبب أجسادهم، لكن عشان يشوفوا الست اللي وقفت قدام الظلم واستردت كرامتها في لحظة شجاعة.
سمعت إن كريم طلق ندى بعد مشاكل وقضايا مالهاش أخر، وإن فضيحتهم بقت على كل لسان. ندى سابت البلد كلها ومشت، وكريم استقال من شغله وقفل على نفسه البيت، أمه بقت تمشي في الشارع وشه للأرض، ما بقاش لها صوت ولا قدرة على التباهي على حد.
في يوم من الأيام، كنت واقفة في بلكونة شقتي الجديدة، شقة واسعة بتطل على النيل، والشمس كانت بتشرق بنور ذهبي مالي المكان. ماسكة كباية الشاي في إيدي، وبتبسم للدنيا.
أدركت إن الحق ممكن يتأخر، والظلم ممكن يطول ويسود لسنين، بس لما الحقيقة بتخرج… بتدمر كل الباطل في طريقها. أنا ما خسرتش حاجة… أنا كسبت نفسي، كسبت كرامتي، وأهم حاجة… كسبت حريتي.
رفعت راسي للسما وقلت من كل قلبي: “الحمد لله… أخيرًا الشجرة طرحت عز وكرامة.”


