طليقي واختي ج 1 حكـايات مني السيد حصري

عينيها شريف؟ إيه الورقة دي؟ إيه الكلام ده يا شريف؟ أنت مش قولتلي إنك خلصت كل حاجة مع مريم ومبقاش في أي قواضي ولا مشاكل؟
شريف ماردش عليها. كان باصص في الورقة، عينه بتجري بين الأرقام. المبالغ اللي كانت مرصودة في الكشف الملحق مكنتش أرقام عادية.. ملايين. أرباح سنين، تحويلات بالدولار وبالجنيه، شيكات مقبولة الدفع، وكلها كانت بتتحرك في حسابات متجمدة من يومين بس بأمر تحفظ رسمي.
أمي هنا مقدرتش تمسك نفسها، دخلت في النص وزقت كتف شريف بخفة وهي بتزعق ما تنطق يا بني آدم! إيه الفضايح دي في وسط الناس؟! المعازيم بيتفرجوا علينا! أنت جايب لنا مصيبة في يوم فرح بنتي؟!
وفجأة، وفي وسط الفوضى دي كلها، شريف رفع راسه.
عينه مسابتش الورقة وطلعت تدور في القاعة، مكنش بيبص لأمي، ولا لأبويا، ولا حتى لنهى اللي كانت بتعيط عياط هستيري والميكب بتاعها بدأ يسيح على خدودها. عينه قطعت القاعة كلها، وراحت مباشرة على العمود الرخام الضخم اللي في آخر الصالة.
عينيه اتقابلت مع عيني.
أنا مكنتش بتحرك. فضلت قاعدة مربعة إيدي، لابسة فستاني الأسود البسيط اللي أمي قالتلي البسيه عشان متبانيش في الصور ومتاخديش اللقطة من أختك. بصيتله في عينيه مباشرة بنظرة باردة وهادية ومستقرة، زي بحر ميت مفيش فيه موجة واحدة. الابتسامة المكسورة اللي كنت شايلها طول السنين اللي فاتت اتبدلت بنظرة شخص قاعد بيتفرج على لعبة الشطرنج وهي بتنتهي ب كش ملك متوقعة ومحسوبة بالمللي.
شريف فتح بقه، وأول كلمة طلعت منه كانت اسمي مريم…
الكلمة دي لفتت نظر الصالة كلها. نهى لفت وشها بسرعة ناحية العمود، وأمي لفت، وأبويا اتسمر مكانه.
أنا قمت من مكاني بهدوء شديد. صوت كعبي على الأرضية الرخام كان هو الصوت الوحيد المسموع، خطوات رتيبة، منتظمة، مفيهاش أي تردد. مشيت من ورا العمود، وطلعت لنص الممر الطويل المفروش بالورد الأبيض والريش اللي كانت أختي متباهية بيه، الممر اللي كنت ممنوعة أمشي عليه عشان مكسرش فرحة العروسة.
بنتي فريدة كانت واقفة على جنب، ماسكة سبت الورد الأوف وايت ومرعوبة، عنيها متعلقة بيا. أول ما قربت منها، مسحت على شعرها بحنية، ومديت إيدي ليها تعالي يا فريدة، هاتي إيدك يا حبيبتي.
فريدة سابت سبت الورد يقع على الأرض، الورد اتنثر تحت رجليا، ومسكت في إيدي وجريت استخبت ورا ضهري. نهى شافت المنظر، وصرخت فيا بانهيار إنتي؟! إنتي اللي ورا المصيبة دي يا مريم؟! أنتي غيرانة مني؟! جاية تخربي فرحتي عشان شريف اختارني أنا وسابك أنتي بعد العمر ده كله؟! أنتي مش قادرة تشوفي أختك مبسوطة؟!
أمي قربت مني وهي بتنهج، عينيها بتطق شرار، رفعت صباعها في وشي كعادتها من وإحنا أطفال أنتي إيه يا شيخة؟ إيه السواد والغل اللي مالي قلبك ده؟! أنتي مش أخت، أنتي عقربة! تبيعي أختك الصغيرة وتفضحيها قدام نسايبها والمعازيم عشان حتة ورقة؟ مكنش عشمي فيكي كده! طول عمرك أنانية وبتبصي للنعمة اللي في إيد غيرك!
أبويا كان وراها، وشه كان مكسور، بس عينه فيها خذلان، قالي بصوت مرتعش ليه يا مريم؟ ده أنا جيتلك بنفسي وقولتلك راعي خاطر أبوكي وأمك ومتبوظيش الليلة.. تعملي فينا كده قدام الناس؟ الفضايح دي مش هتتلم!
أنا وقفت في نص الكوشة، قدامهم كلهم. بصيت لأمي، وبعدين بصيت لأبويا، وآخر نظرة كانت لنهى، اللي كانت بتبصلي بغل مخلوط بدموع ذل حقيقي.
سواد؟ غل؟ رديت عليهم بنبرة هادية جداً، مفيهاش ذرة انفعال واحدة السواد ده هو الفلوس اللي بنتك المحترمة كانت بتتباها بيها من الصبح. الخاتم اللي في إيدها، والفستان اللي مستورداه من برة، والقاعة اللي دافعين فيها دم قلبهم، وشهر العسل اللي في المالديف.. ده كله مش بفلوس شريف، دي فلوس بنتي فريدة. الفلوس اللي حلف قدام القاضي إنه مبيملكهاش عشان يديني ألفين جنيه نفقة لبنته ميكفوش تمن كتب مدرستها ومصاريف علاجها!
شريف حاول يصرخ، بس صوته طلع مخنوق ومتحشرج إنتي مجنونة! الورق ده مزور! أنتي بتلفقيلي تهمة عشان تنتقمي مني! أنتي مريضة نفسياً!
المحضر القضائي اتدخل بصرامة، وحط إيده على كتف شريف بثقل التزم الأدب يا أستاذ وصوتك ميعلاش. النيابة أصدرت قرارها بناءً على تقرير الخبراء وتحريات مباحث الأموال العامة اللي استمرت أكتر من ست شهور. وأنت مطلوب رسمياً بكرة الساعة تسعة صباحاً في سراي نيابة الشؤون المالية والتجارية للتحقيق، ومعاك أمر منع من السفر ساري من ساعة واحدة بس، والتحفظ على كافة أموالك وأرصدتك العقارية والنقدية وشركاتك، بما فيها شركة النيل وشركة التكييفات، لحد ما يتم الفصل في رد المبالغ المهربة ودفع الغرامات والتعويضات المدنية المؤقتة.
الجملة نزلت زي المرزبة على دماغ شريف. قعد على الكرسي بتاعه كأنه اتقطم نصين. وشه دفنه بين كفوفه، وبدأ ينهج بصوت مسموع، أنفاس سريعة كأنه هيجيله أزمة قلبية. كل الهيبة، وكل النفخة الكدابة اللي كانت عامية عيون الكل، ادشدشت في دقايق معدودة على بلاط القاعة.
نهى بصتله وهو واقع كده، وبصت للورق اللي على التربيزة، وبعدين مسكت دراعه وهزته بعنف، كأنها بتصحي ميت شريف! رد عليا! الحسابات دي فيها كام؟! يعني إيه منع من السفر؟! يعني مفيش مالديف؟! يعني الشقة اللي في التجمع اللي قولتلي هكتبهالك باسمك دي عليها حجز؟ ! رد عليا يا شريف

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *