عمي حكايات زهره الربيع ٢

بساعات، وكان واقف جنب عمي عبد الصمد. وعلى ظهر الصورة مكتوب بخط عمي: “أول واحد… كان لازم أبدأ بيه.” أمي انهارت، وخالي خطف الدفتر من إيد الضابط وبدأ يقلب صفحاته بسرعة. كل صفحة كان فيها تاريخ واسم ووزن. لحد ما وصلنا لصفحة مكتوب فيها: “الجمعة القادمة… سعاد وأولادها.” أمي شهقت، وأنا حسيت إن نفسي انقطع. الضابط قفل الدفتر وقال: “محدش يخرج من العمارة. عبد الصمد مش هرب عشوائي… هو كان جاي يخلص عليكم النهاردة.” وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت مفتاح بيلف في باب من الخارج… والضابط همس: “محدش يتحرك… هو رجع.” ثم جاء صوت عمي عبد الصمد من خلف الباب، لكن المرة دي كان بيضحك: “كنتوا فاكرين إن الشرطة هتحميكم؟ أنا مش لوحدي يا ولاد أخويا… وأنا جاي آخد آخر حاجة فاضلالي.”

الضابط رفع إيده بسرعة وحط صباعه على بوقه، وهمس لنا: “محدش يتكلم… ومحدش يقرب من الباب.” كلنا اتجمدنا مكاننا، حتى أمي اللي كانت على وشك الانهيار حطت إيدها على بوقها عشان تمنع نفسها من الصراخ. المفتاح فضل بيلف في كالون الباب ببطء، مرة ورا التانية، وكأن اللي بره مستمتع إنه عارف إننا سامعينه. وبعد ثواني، المفتاح وقف. سمعنا صوت نفس طويل من الناحية التانية، وبعدها صوت عبد الصمد: “أنا عارف إنكم سامعينني…

وعارف إن الشرطة عندكم.” الضابط بص للعساكر وأشار لهم يتحركوا بهدوء ناحية الشبابيك والطرقة. عبد الصمد كمل: “بس اللي مش عارفينه إن اللي معايا دلوقتي أخطر من الشرطة كلها.” وفجأة سمعنا صوت راجل تاني بيضحك من على السلم. أمي بصتلي، ووشها بقى أبيض، وقالت بصوت مكتوم: “يا بنتي… ده صوته مش لوحده.”

الضابط أشار لنا ندخل جوه الصالة، وبعدها أشار لعسكريين يستخبوا جنب الباب. فجأة الباب اتفتح ببطء، لكن قبل ما أي حد يدخل، اندفع العسكريين وقبضوا على أول شخص ظهر. سمعنا صرخة، وبعدها خبط شديد، لكن الشخص كان أسرع مما توقعوا، زق واحد من العساكر وجري ناحية السلم. الضابط جري وراه، وفي نفس اللحظة دخل عبد الصمد من الباب الخلفي للشقة! كان واقف قدامنا ووشه مختلف تمامًا عن عمي اللي عرفناه طول السنين. هدومه كانت متبهدلة، وشعره منكوش، وعينيه حمرا من السهر والرعب، وفي إيده شنطة سوداء صغيرة. أمي أول ما شافته صرخت: “إنت قتلت جوزي؟!” عبد الصمد وقف مكانه وبص لها بنظرة غريبة وقال: “أنا ماقتلتش أخويا… أخوكي مات لوحده.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *