ابني اتصل بي

أمام عيون سيف ومريم اللتين تشخصان نحو الهاتف بذهول
تم إيداع مبلغ 75000000 دينار عراقي في حسابك الجاري، محولاً من قسم الحجز والتسوية العقارية المحكمة المدنية.
ساد صمت مطبق في المدخل، صمت أثقل من ركام البيت القديم، ولم يقطعه سوى صوت عقارب الساعة الجدارية القديمة وهي تدق بانتظام بارد.
شحب وجه سيف تمامًا، وانفرجت شفتا مريم بلا كلمة، كأن حبل الكلمات قد انقطع من الحلق فجأة.
تابعتُ بهدوء مفرط، وأنا أرفع الهاتف ببطء، وأتفحص الشاشة كأنني أتأكد من رقم الطقس أو الوقت، ثم نظرت إليهما مباشرة
تبحثون عن الخصوصية يا سيف؟ ها قد وجدتموها كاملة. والمال الذي كان يشتري لكم تلك الخصوصية… عاد أخيرًا إلى مكانه الصحيح.
اقترب سيف خطوة متعثرة نحو الطاولة، ومد يده المرتجفة نحو الملف البني كمن يحاول إمساك طوق نجاة غارق في وسط بحر متلاطم الأمواج
يمّه… أي مبلغ هذا؟ محكمة؟ أي محكمة تقصدينها؟! أنتِ لم تخبرينا بشيء قط!
لم يكن هناك داعٍ لإخباركم يا بني، فأنا لم أفعل شيئاً سوى تنفيذ وصية والدكم حرفياً.
تراجع سيف إلى الخلف وسند ظهره إلى جدار المدخل، كأن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله، وبدأ شريط الذكريات يتسابق في عينيه المليئتين بالخۏف والندم
أبي… هل كان يعلم؟
أبوك كان رجلاً ذكياً عاش طوال عمره يتعب ويشقى ليوفر لنا لقمة عيش كريم ورزقاً حلالاً، وكان يعرف طبعك المتسرع وحب التباهي الذي غرسته فيك زوجتك، فترك لي الحريّة الكاملة في حماية تعب سنينه، ووضع بيديه هاتين وثيقة قانونية تضمن حقوقي إن غدر بي الزمن أو أنكرني ابني الوحيد.
بدأت مريم تفقد صوابها، واڼفجرت بصوت حاد يكسر صمت الصباح الباكر، وقد تلاشت كل ملامح التعالي والتكبر عن وجهها
يعني ماذا؟! أهذا يعني أننا سنطرد من الشقة؟! الشقة التي دفعنا فيها أقساط لسبعة وعشرين شهراً؟! والشهرة والاسم والناس الذين يعلمون أننا أصحاب العقار؟! ماذا سنقول للناس؟ ماذا سنقول لأهلي الذين يعتقدون أننا نعيش في برج من عاج؟!
نظرت إليها نظرة مليئة بالشفقة المخلوطة بالاحتقار الصامت
لم أطلب منكم يوماً أن تكذبوا على الناس، ولم أطلب منكم أن تتظاهروا بشيء لستم عليه. أنتِ من اخترتِ التباهي بما ليس لكِ يا مريم، وأنتِ من طالبتِ زوجكِ بطرد أمه العجوز من بيتها بحجة الخصوصية. الخصوصية التي تبحثين عنها يا بنيتي باهظة الثمن، وها قد وصلكم فاتورتها كاملة غير منقوصة.
تدخل سيف بصوت يملؤه التوسل والانكسار، وهو يقترب ويحاول تقبيل يدي كما كان يفعل في صغره حين كان يخطئ في المدرسة
يمّه أرجوكِ… سامحيني. والله مريم كانت تتكلم فقط من عصبية الحمل ومشاكل مصاريف الشقة الكثيرة. نحن لا نستغني عنكِ. البيت بيتكِ، وتعالي متى شئتِ، وبابنا مفتوح لكِ ليل نهار! أرجوكِ ألغي ما قمتِ به في
المحكمة، وتنازلي عن القضية لنحل أمورنا بهدوء داخل العائلة، ولا تفضحينا أمام القاصي والداني.
سحبتُ يدي ببطء وهدوء، دون عصبية وددون صړاخ، وقلت له بصوت هادئ يشبه فحيح الريح في شتاء بغداد
العائلة يا سيف ليست مكاناً نلجأ إليه فقط حين تنفد الأموال، ولا هي فندق نمكث فيه متى شئنا ونطرد منه من نريد. العائلة هي الأمان، والسند، والكلمة الطيبة التي حرمتموني منها بكل جحود. لقد اخترتم حياتكم المستقلة، وها أنا ذا أحترم خياركم تماماً. الشقة الآن أصبحت بالكامل تحت تصرف المصرف والقانون، والمبلغ الذي حُول إلى حسابي سأشتري به داراً صغيرة هادئة تليق بعجوز تريد أن تكمل ما تبقى من عمرها بكرامة وسلام، بعيداً عن منة أحد أو تذمر ضرة أو زوجة ابن.
لم يجد سيف ما يضيفه، وخر صريعاً على كرسي المدخل يجهش بكاءً مراً كالاطفال، بينما وقفت مريم جامدة في مكانها، تدرك للمرة الأولى أن الغطرسة والتعالي لا يبنيان بيتاً، وأن المال الحړام أو المستلب بجهد الآخرين لا يرتفع إلا لينهار كبيت من كرتون عند أول هبت ريح حقيقية.
نهضتُ من مقعدي، وتوجهت بهدوء إلى الغرفة الداخلية، وأخذت كيس خيوط الحياكة والبطانية الصفراء غير المكتملة. جلست مجدداً على كرسي الخيزران القديم قرب النافذة، أخذت الإبرة، وبدأت بحياكة الكمّ الأخير لحفيدتي القادمة في هدوء تام.
سُمع صوت إغلاق الباب الخارجي ببطء، تلاه صوت خطوات ثقيلة ومکسورة تنحدر على الدرج تدريجياً، مبتعدة عن بيتي القديم إلى غير رجعة.
تركتهم يرحلون، وتركت معهم كل أحمال الأكاذيب وسسنوات التعب الضائعة.
لأول مرة منذ سنوات طويلة، شعرت أن هواء بغداد في صدري نقي وخفيف تماماً، وأن الشاي الذي أحتسيه وحدي طعمه مرّ لكنه صادق، كصِدق الأيام التي تبقت لي وحدي في هذا العالم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *