يوم وفاه جدي

فيها غير كام سطر.
قرأ
إلى أولادي وأحفادي العاقين… خلال ثلاثة أيام من وفاتي، من يستطيع العثور على أغلى شيء بالنسبة لي، يحصل على جميع ممتلكاتي.
ساد الصمت.
ثانيتين كاملتين محدش نطق.
عمتي كانت أول واحدة انفجرت
إيه الكلام الفاضي ده؟! حتى بعد ما مات عايز يجننا؟! إحنا هنعرف منين أغلى حاجة عنده إيه؟
مرات عمي قالت
بالضبط! الراجل عنده ممتلكات ودهب وأوراق وتحف وعقارات بالعبيط. هندور على إيه بالظبط؟
الباقيين بدأوا يعترضوا.
لازم يكون في دليل.
أو تلميح.
أو على الأقل نعرف ندور فين.
الأستاذ سامح رفع إيده.
الحاج عبدالجليل حدد المكان.
الكل سكت.
قال
أغلى شيء بالنسبة له موجود داخل البيت القديم ده.
قلوبنا دقت.
وأضاف
وهو شيء واحد فقط.
والشخص الذي يجده أولًا… يصبح الوريث الوحيد لكل ممتلكات الحاج عبدالجليل.
فجأة عمتي شهقت.
وبدون ما تقول كلمة، جريت ناحية أوضة النوم.
الكل جري وراها.
دخلت ناحية كومودينو قديم جنب السرير، فتحت درج، وبعدها ضغطت بإيدها في حتة مخفية جواه.
طلع درج سري صغير.
ومدت إيدها…
وسحبت ورقة قديمة جدًا، لونها مصفر من الزمن.
حضنتها لصدرها فورًا.
أنا اللي لقيتها! محدش يقرب!
أبويا قرب وبص للورقة.
وفجأة وشه اتغير.
دي حجة أرض البيت القديم!
وبصلها باستغراب.
إنتِ عرفتي مكانها منين؟
عمتي ابتسمت بانتصار.
عشان أنا كنت أقرب واحدة لبابا. وأنا صغيرة شوفته بعيني وهو بيحطها هنا.
وبعدين رفعت الورقة قدام المحامي.
أستاذ سامح… دي أغلى حاجة عند بابا، صح؟
الأستاذ سامح ابتسم فقط.
لا قال آه.
ولا قال لأ.
وقال
الإجابة لن تُعلن إلا يوم دفن الحاج عبدالجليل.
وبعدين رفع صباعه
وفي شرط تاني.
الكل بصله.
كل أسرة لها الحق في اختيار شيء واحد فقط باعتباره الإجابة النهائية.
وبعدين قال بمنتهى الهدوء
وإذا انتهت الأيام الثلاثة ولم يعثر أحد على الشيء الأغلى بالنسبة للحاج عبدالجليل… سيتم التبرع بجميع ممتلكاته إلى مؤسسة خيرية.
4
شهقت.
ثروة جدي كانت على الأقل بمليارات الجنيهات.
مليارات!
مين فيهم هيقبل إن الفلوس دي كلها تضيع منه وتروح لجمعية خيرية؟
خصوصًا إن كل واحد فيهم شايف إن بينه وبين الثروة خطوة واحدة بس.
عمتي فضلت حاضنة حجة الأرض، لكني لاحظت التردد في عينيها.
لأن اختيارها كان منطقي جدًا.
الحجة دي قديمة جدًا.
متوارثة في العيلة من أجيال.
وفي بداية حياة جدي، لما احتاج فلوس عشان يبدأ تجارته، اضطر يرهن الأرض.
ولما ربنا فتحها عليه وبقى غني، أول حاجة عملها إنه سدد الدين واسترجع الأرض.
وبعدها بنى البيت القديم عليها.
البيت اللي أبويا وعمي وعمتي اتولدوا واتربوا فيه.
يعني لو حد قال إن حجة الأرض دي ملهاش قيمة عاطفية عند جدي…
يبقى بيكدب.
عمي ومراته كانوا هيموتوا من الغيظ.
لكن عمي قال
أبويا عنده عقود أراضي بالمئات. مين قال إن الورقة دي أصلًا لسه فارقة معاه؟
مراته هزت راسها.
بالظبط. ندور إحنا على حاجة تانية.
وفجأة البيت كله اتحول لساحة تنقيب.
أبويا وأمي دخلوا يدوروا.
عمي ومراته يدوروا.
كل واحد بيفتح دواليب، أدراج، صناديق، كتب قديمة…
أمي لقتني واقفة.
ضربتني على كتفي وقالت
متنحة ليه؟ دوري!
قلت
أدور على إيه؟
صرخت
على أي حاجة! لو هنقعد تلات أيام من غير نوم هنقعد! إحنا مش هنسيب مليارات تروح من إيدينا!
نزلت عيني ناحية جدي.
كان لسه ممدد مكانه.
ساكت.
بارد.
عامل نفسه ميت بإتقان يخوف.
وبدأت أفكر
يا ترى إيه اللي جدي عايزنا نلاقيه؟
إيه أغلى شيء عند راجل قضى عمره كله خايف على فلوسه؟
الدهب؟
أول جنيه كسبه؟
عقد أول أرض اشتراها؟
صورة جدتي؟
ساعة قديمة؟
مفتاح أول محل؟
ولا شيء محدش فينا ممكن يتوقعه أصلًا؟
ما كانش عندي إجابة.
فاضطريت أدخل أدور مع أبويا وأمي.
وفي خلال ساعات، الموضوع خرج عن السيطرة.
عمي جاب محقق خاص يدور في تاريخ جدي ويحاول يعرف أكتر حاجة كان متعلق بيها.
عمتي ما اكتفتش بحجة الأرض، وراحت جابت شيخ ودجال يحاول يعرف مكان الكنز.
أما أبويا وأمي…
فقعدوا يتناقشوا إذا كانوا يجيبوا ناس متخصصة تقلب البيت كله، حتة حتة، قبل ما الأيام التلاتة يخلصوا.
وأنا كنت ماشية وسطهم…
لكن عقلي ما كانش مع الكنز.
ولا المليارات.
ولا الوصية.
كان عقلي مع الراجل اللي نايم في الأوضة.
لأنهم كلهم كانوا بيدوروا على أغلى شيء عند جدي…
وأنا الوحيدة تقريبًا اللي عارفة إن جدي نفسه لسه عايش.
5
أول ليلة عدّت علينا في البيت القديم كانت أغرب ليلة في حياتي.
محدش نام.
عمي ومراته قلبوا مكتبة جدي رأسًا على عقب.
عمتي وجوزها نزلوا المخزن اللي تحت البيت، وفضلوا يفتحوا الصناديق القديمة واحد ورا التاني.
أما أبويا وأمي فكانوا قاعدين في الصالة، قدامهم ورق وقلم، بيكتبوا قائمة بكل حاجة ممكن تكون غالية عند جدي.
أمي قالت
أول ساعة اشتراها بعد ما بقى غني؟
أبويا هز راسه.
باعها من عشر سنين.
طب أول عربية؟
اتباعت.
صورة جدتك؟
أبويا سكت شوية.
وبعدين قال
ممكن.
وأنا؟
كنت مستنية.
الساعة عدت واحدة بالليل.
اتنين.
اتنين ونص.
لحد ما البيت هدي أخيرًا.
قمت من على الكنبة بهدوء، ومشيت ناحية أوضة جدي.
فتحت الباب سنة صغيرة.
كان النور مطفي.
دخلت وقفلت الباب ورايا.
جدي لسه ممدد مكانه.
قربت منه.
وهمست
كفاية بقى يا جدي.
مفيش رد.
قلت
أنا عارفة إنك صاحي.
برضه مفيش رد.
ابتسمت غصب عني.
براحتك… بس لو ما فتحتش عينك، هصرخ دلوقتي وأقولهم إنك عايش.
عدّت ثانيتين.
وفجأة…
سمعت صوته.
وطي صوتك يا بت!
شهقت وحطيت إيدي على بوقي.
جدي فتح عين واحدة وبصلي.
هتفضحيني!
كنت مصدومة رغم إني أصلًا عارفة.
يعني إنت فعلًا عايش؟!
قعد بالعافية على السرير وقال
لأ، عفريت جدك.
طب شهادة الوفاة؟ والمستشفى؟ والمحامي؟
كله مترتب.
بصيتله بعدم تصديق.
إنت مجنون.
عارفة لو ما كنتيش حفيدتي المفضلة كنت حرمتك من الميراث عشان الكلمة دي؟
قعدت جنبه.
ليه عملت كل ده؟
ابتسامته اختفت.
بص ناحية الباب وقال
عشان أعرف أنا ربيت عيلة… ولا ربيت شوية كلاب مستنية موتي.
سكت.
ولأول مرة حسيت إن جدي مش بيتكلم بغضب.
كان موجوع.
قال
طول عمري بقول لنفسي إنهم طماعين عشان أنا قاسي عليهم. قلت يمكن لما أكبر ويشوفوني على سرير الموت، ينسوا الفلوس ولو ساعة.
ضحك ضحكة صغيرة حزينة.
طلعوا مستنيينني أموت أسرع.
افتكرت عمي وهو بيقول بالعافية مات.
وعمتي وهي بتخطف حجة الأرض.
وأمي وهي بتقولي اخلعي خاتمه.
اتكسفت.
قلت
بس يا جدي… إنت كمان ظلمتهم.
بصلي بسرعة.
نعم؟
اتشجعت.
أيوه.
أبويا طلب منك تساعده يجيب شقة عشان يتجوز، افتكرت إنه طمعان.
وعمتي طلبت فلوس تفتح محل، سخرت منها.
وعمي كان عايز يدرس بره، قولت عليه عيل فاشل.
وش جدي احمر.
إنتِ جاية تحاسبيني؟
لأ.
بصيت في عينه.
بس يمكن هما طول عمرهم كانوا شايفين إن الفلوس أهم عندك منهم… فبقوا مستنيين اليوم اللي الفلوس تبقى بتاعتهم.
جدي ما ردش.
فضل ساكت فترة طويلة.
وبعدين قال
اطلعي نامي.
قمت.
لكن قبل ما أوصل للباب، سألته
أغلى حاجة عندك إيه؟
بصلي بطرف عينه.
عايزة المليارات؟
ضحكت.
طبعًا عايزاها.
ابتسم لأول مرة.
يبقى دوري زيهم.
فتحت الباب.
لكن قبل ما أخرج قال
ياسمين.
لفيت.
قال
خلي بالك.
من إيه؟
قال بهدوء
مش كل اللي في البيت بيدور على الميراث بس.
وقفل عينه.
وقتها…
ما فهمتش قصده.
لكن بعد ساعات قليلة، فهمت.
6
تاني يوم الصبح صحيت على صرخة عمتي.
جريت على أوضة جدي.
لقيت الكل واقف حوالين السرير.
وعمتي بتصرخ
حجة الأرض اختفت!
عمي رفع حاجبه.
يمكن خبيتيها وبتعملي علينا فيلم.
والله العظيم كانت في شنطتي!
مرات عمي قالت بسخرية
يبقى خلي الدجال بتاعك يجيبها.
عمتي هجمت عليها.
الخناقة بدأت من جديد.
لكن أنا ما كنتش مركزة معاهم.
كنت ببص لجدي.
وشه كان زي ما هو.
ساكن.
لكن…
خاتمه اختفى.
الخاتم اللي أمي طلبت مني أخلعه أول يوم.
قربت من السرير.
بصيت لإيده.
مفيش خاتم.
قلبي بدأ يدق.
مين أخده؟
وهل اللي أخده

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *