كل يوم

يدخله في القفل… رن هاتف الحاجة ليلى. نظرت إلى الشاشة. ولأول مرة منذ وصول الشرطة، ظهر الرعب الحقيقي على وجهها. أحمد سألها مين بيتصل؟ لم تجب. رن الهاتف مرة ثانية. ثم مرة ثالثة. أحمد مد يده هاتيه. لكن ليلى شدته إلى صدرها وقالت لو رديت… كل اللي حصل من سبع سنين هيتكرر. وفي نفس اللحظة… جاء صوت طرق من خلف الباب رقم 17. ثلاث طرقات بطيئة. ثم صوت رجل من الداخل يا حاجة ليلى… افتحي. تجمدت ليلى في مكانها. لأن الصوت… كان صوت ابنها محمود محدش اتحرك. حتى صوت أنفاسهم بقى واضح في الممر الضيق. المقدم أحمد بص للحاجة ليلى، ثم بص للباب. ده صوت مين؟ ليلى كانت بتبص للباب كأنها شايفة شبح قدامها. قالت بصوت مبحوح محمود. النقيب كريم قرب منها إنتِ متأكدة إن ده صوت ابنك؟ هزت رأسها بسرعة. أنا أمه… مستحيل أغلط في صوته. من خلف الباب جاء الصوت مرة تانية يا أمي… افتحي. ليلى بدأت تبكي. محمود مات من سبع سنين. أحمد أشار للرجال يثبتوا أماكنهم، ثم قال بصوت حازم محدش يفتح الباب. فجأة ساد الصمت. ثواني مرت… ثم سمعوا صوت جرّ شيء ثقيل على الأرض من الداخل. كريم همس في حد جوه. أحمد حط إيده على المقبض. وقبل ما يفتحه، لاحظ ورقة صغيرة مدسوسة تحت الباب. سحبها ببطء. كانت الورقة قديمة، ومكتوبة بخط يد. فتحها. وفي أول سطر كان مكتوب لو الشرطة وصلت للمكان، يبقى أنا فشلت. أحمد رفع عينيه للحاجة ليلى. الورقة دي بخط محمود؟ ليلى أخذتها منه، وبمجرد ما قرأت السطر الأول، انهارت في البكاء. أيوه… ده خطه. كريم قال بس لو محمود هو اللي كتبها… مين اللي جوه؟ لم تجبه. أحمد بدأ يقرأ باقي الورقة. كانت الكلمات قليلة، لكنها أخطر مما توقع يا أمي، متثقيش في أي حد يقولك إنه جاي ينقذنا. والستين كيلو مش أهم حاجة… أهم حاجة اللي بيحصل بعد ما اللحمة توصل. أحمد توقف. رفع رأسه ببطء. يعني إيه اللي بيحصل بعد ما اللحمة توصل؟ ليلى مسحت دموعها وقالت أنا معرفش. كريم قاطعها لا، إنتِ عارفة. سكتت. ثم قالت أنا كنت بوصل اللحمة للمكان ده… لكن محمود هو اللي كان بيستلمها. أحمد سأل وبعد كده؟ كان بيقفل على نفسه جوه. كل يوم؟ أيوه. وليه؟ ليلى بصت ناحية الباب. علشان كان بيحاول يحمي شخص. كريم اتوتر مين؟
وقبل ما تجاوب… صدر من داخل الغرفة صوت ارتطام قوي. ثم صرخة مكتومة. أحمد صاح افتحوا الباب! ضرب أحد رجال الشرطة القفل، لكن الباب لم يتحرك. كريم قال القفل من الناحية التانية! أحمد تراجع خطوة. ثم قال اكسروا الباب. ضربوا الباب مرة… ثم مرتين… وفي الضربة الثالثة انفتح فجأة. اندفعوا إلى الداخل. الغرفة كانت شبه مظلمة. لكن في منتصفها كان هناك كرسي مربوط بحبل. والكرسي… كان فاضي. أما على الأرض، فكان هناك أثر أقدام مبلولة يمتد من الكرسي إلى حائط خلفي. كريم قرب من الحائط. يا فندم… هنا! كان فيه باب سري صغير مفتوح. أحمد قال هو هرب من هنا. لكن الحاجة ليلى كانت واقفة مكانها، تحدق في الأرض. قالت بصوت مرتجف مش هو اللي هرب. أحمد التفت لها أمال مين؟ رفعت إصبعها ناحية الكرسي. اللي كان مربوط هنا… مش هو اللي كنا خايفين عليه. ثم سكتت لحظة وقالت ده كان الشخص اللي محمود كان بيحاول يحميه. كريم اتجمد. يعني الشخص اللي كان هنا اختفى؟ ليلى هزت رأسها. لأ. أمال فين؟ رفعت عينيها ناحية الباب السري. راح لمحمود. وفجأة… من جهاز اللاسلكي الخاص بأحد الضباط، خرج صوت مشوش. ثم صوت رجل يقول بوضوح ماتدخلوش الممر. أحمد أمسك الجهاز بسرعة مين معايا؟ لم يرد أحد. ثم عاد الصوت لو دخلتوا… هتعرفوا ليه محمود مات. وانقطع الاتصال. نظر أحمد إلى كريم. ثم إلى الممر السري. وبدون ما حد ياخد باله… الحاجة ليلى كانت قد اختفت من الغرفة. صرخ كريم الحاجة ليلى فين؟! لكن ماحدش رد. وفجأة سمعوا صوت باب حديد بيتقفل من بعيد. أحمد جرى ناحية الممر. وقبل ما يدخل، لمح شيئًا على الأرض. كانت قطعة قماش صغيرة… وعليها اسم مكتوب بالقلم محمود أحمد انحنى والتقط قطعة القماش. كان الاسم المكتوب عليها واضحًا محمود. قال كريم يا فندم، الحاجة ليلى دخلت الممر! أحمد رفع الكشاف واتجه بسرعة للباب الحديدي. ورايا. دخل الضابطان الممر، وتبعهم اثنان من رجال الشرطة. كان الممر ضيقًا جدًا، والجدران مليانة آثار رطوبة قديمة. كلما تقدموا، كانوا يسمعون صوت خطوات أمامهم. لكن الغريب… إن الخطوات كانت تتوقف كلما توقفوا. كريم همس في حد بيمشي قدامنا. أحمد أشار له بالصمت. وبعد أمتار، ظهر ضوء خافت في نهاية الممر. اقتربوا بحذر. كان المكان عبارة عن غرفة صغيرة فيها طاولة خشب قديمة. وفوق الطاولة… كانت هناك عشرات الدفاتر. أحمد فتح أول دفتر. أسماء. تواريخ. وأمام كل اسم رقم. كريم قلب الصفحات بسرعة وقال يا فندم، دي مش سجلات بيع لحمة. أحمد بص له عارف. في الصفحة الأخيرة وجدوا اسمًا جعل الاثنين يتجمدان. محمود ليلى. وبجواره تاريخ وفوقه كلمة واحدة اختفاء. كريم قال يعني محمود ما ماتش بالطريقة اللي الناس قالت عليها؟ قبل أن يرد أحمد، سمعوا صوتًا من خلفهم هو ما ماتش يومها. استداروا بسرعة. كانت الحاجة ليلى واقفة عند مدخل الغرفة. لكنها لم تكن وحدها. كان خلفها رجل مسن يحمل مصباحًا صغيرًا. أحمد رفع سلاحه ارفع إيدك! الرجل رفع يديه بهدوء وقال لو كنت عايز أضركم، ماكنتش استنيتكم توصلوا لهنا. أحمد قال إنت مين؟ الرجل نظر للحاجة ليلى، ثم قال أنا آخر واحد شاف محمود قبل ما يختفي. كريم تقدم خطوة إنت اللي كنت بتكلمه من جوه الباب؟ الرجل هز رأسه لأ. أمال مين؟ الرجل سكت. ثم قال الصوت اللي سمعتوه كان تسجيل. أحمد عقد حاجبيه تسجيل؟ أيوه. ثم أشار إلى جهاز صغير فوق الطاولة. محمود سجله قبل سبع سنين. ليلى بدأت تبكي. أحمد قال وليه كنتوا بتخفوا الموضوع كل السنين دي؟ الرجل رد لأن محمود اكتشف حاجة محدش كان المفروض يعرفها. إيه هي؟ الرجل نظر للدفاتر. كان فيه ناس بتدخل المكان ده بالليل… ومش كلهم كانوا غرباء. كريم قال مين؟ لكن الرجل لم يجب. بدلًا من ذلك، مد يده إلى آخر درج في الطاولة، وأخرج ظرفًا بنيًا. وضعه أمام أحمد. محمود قال لي أسلمه للشرطة لو حصل يوم ودخلت هنا قوة رسمية. أحمد فتح الظرف. في داخله صورة قديمة. رفعها أمام الضوء. كان فيها محمود واقفًا أمام السفينة. وبجواره… المقدم أحمد نفسه. تجمد أحمد مكانه. كريم بص للصورة ثم بص له. يا فندم… إنت كنت هنا قبل كده؟ أحمد لم يرد. لأن الصورة كانت مؤرخة قبل سبع سنوات. في نفس الأسبوع الذي مات فيه محمود. وفجأة… صدر صوت من جهاز التسجيل على الطاولة. صوت محمود. واضح جدًا لو سمعت الرسالة دي يا أمي… يبقى الشخص اللي قدامك مش لازم تثقي فيه. ثم توقف التسجيل لثانيتين. وعاد صوت محمود خصوصًا لو كان اسمه أحمد. كل العيون اتجهت ناحية المقدم أحمد. أما الحاجة ليلى… فقالت بهدوء لأول مرة علشان كده أنا اتصلت بالشرطة. كريم سألها ليه؟ ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت علشان كنت مستنية اليوم اللي أحمد نفسه يدخل السفينة. ساد الصمت. ثم فجأة انطفأت كل الأنوار. وفي الظلام… سمعوا صوت باب بيتقفل. وبعده صوت محمود مرة أخرى دلوقتي… نقدر نبدأ الحساب ظل أحمد واقفًا على أول درجة. لأول مرة منذ وصوله للمكان، ظهر التردد على وجهه. كريم قرب منه وقال يا فندم… لو المكان ده معمول علشان يستدرجك، يبقى لازم نرجع. أحمد هز رأسه لو رجعنا دلوقتي، مش هنعرف مين اللي بيحرك كل ده. الحاجة ليلى كانت تبص للسلم، ودموعها بتنزل من غير صوت. قالت أنا استنيت سبع سنين علشان أوصل للحظة دي. أحمد بص لها إنتِ كنتِ عارفة إننا
هنلاقي السلم؟ قالت محمود هو اللي علمني. كريم سألها إمتى؟ قبل موته بأيام. الرجل الغامض تدخل محمود ماقالش لها كل حاجة. قال لها بس تعمل اللي طلبه منها. أحمد التفت إليه وإنت عرفت منين؟ الرجل سكت. أحمد اقترب منه إنت مش أخو محمود، صح؟ الرجل رفع عينيه ببطء. ابتسم ابتسامة خفيفة. أخيرًا سألت السؤال الصح. كريم رفع سلاحه انطق! الرجل قال أنا كنت شريكه. شريكه في إيه؟ في محاولة كشف الحقيقة. أحمد قال حقيقة إيه؟ الرجل أخرج ورقة أخرى من جيبه. الحقيقة اللي خلت محمود يختفي. فتح الورقة. كانت خريطة قديمة للسفينة. وأشار إلى جزء في أسفلها. هنا. كريم قال إيه الموجود هنا؟ الرجل رد غرفة ماحدش يعرف عنها غير أربعة أشخاص. أحمد سأله مين الأربعة؟ الرجل رفع أربعة أصابع. محمود… الحاجة ليلى… أنا… ثم نظر مباشرة إلى أحمد. وإنت. ساد الصمت. أحمد قال أنا عمري ما شفت محمود قبل القضية دي. الرجل رد دي المشكلة. ثم بدأ ينزل السلم. لأنك شفتَه… بس مش فاكر. أحمد تبعه.
كل درجة كانوا ينزلوا فيها، كان الهواء أبرد. وفي النهاية وصلوا إلى ممر تحت الأرض. كان فيه باب حديدي ضخم. وفوق الباب لوحة صغيرة مكتوب عليها 17 كريم همس إحنا رجعنا لنفس الرقم. الحاجة ليلى مدت إيدها نحو الباب. لكن قبل ما تلمسه… سمعوا صوتًا من الداخل ماما. ليلى شهقت. الصوت تابع لو إنتِ فعلًا جيتي مع الشرطة… افتحي. أحمد نظر للرجل الغامض. الرجل قال افتحي. إنت متأكد؟ المرة دي… أيوه. أحمد أعطى الإشارة. فتح أحد الضباط الباب ببطء. الغرفة كانت مظلمة. لكن في المنتصف كان هناك جهاز تسجيل يعمل. اقترب أحمد. وضغط زر التشغيل. خرج صوت محمود أنا عارف إنكم هتوصلوا هنا في يوم من الأيام. ثم صمت. وبعدها قال بس قبل ما تكملوا… لازم تعرفوا إن الستين كيلو لحمة مش كانت بتروح هنا علشان الأكل. كريم قال أمال كانت بتروح لمين؟ التسجيل تابع كانت بتوصل لناس محتاجين. أحمد قطب حاجبيه. ثم جاء صوت محمود مرة أخرى لكن اللي كان بيستلمها… كان بيحط معاها رسائل. الرجل الغامض أغمض عينيه. الحاجة ليلى قالت الرسائل اللي فيها أسماء الناس. أحمد التفت لها أي ناس؟ لم تجب. وفجأة سمعوا صوت ورق بيتقلب خلفهم. استداروا. كان أحد رجال الشرطة واقفًا عند صندوق خشبي. فتح الصندوق. وجد بداخله عشرات الملفات. أخرج أول ملف. على الغلاف كان مكتوبًا القرية 7 سنوات. ثم فتحه. تغير وجهه. يا فندم… أحمد اقترب. الملف كان يحتوي على صور وأسماء وتواريخ. لكن بين كل الأسماء… كان هناك اسم واحد متكرر. أحمد. كريم بص للمقدم. إنت كنت بتعمل إيه هنا من سبع سنين؟ أحمد لم يجد إجابة. وفي اللحظة نفسها… انغلق باب الغرفة خلفهم بقوة. ثم انطفأت الأنوار. ومن الظلام جاء صوت شخص قريب جدًا دلوقتي يا حضرة المقدم… توقف لحظة. ثم قال فاكر أول مرة قابلت محمود؟ أحمد تجمد. لأنه بدأ فجأة يتذكر… مشهدًا قديمًا. مكانًا. صوت محمود. ووجهًا كان يظن أنه نسيه منذ سبع سنوات. ثم قال أحمد بصوت مرتجف أنا… كنت هنا. وفجأة أضاءت لمبة صغيرة في سقف الغرفة. وكان أمامهم على الحائط… صورة جماعية قديمة. وفي منتصف الصورة كان محمود واقفًا. وبجواره أحمد. لكن الشخص الواقف في الطرف الآخر من الصورة… كان شخصًا لم يتوقع أحد أن يراه. ليلى أول ما شافته… صرخت إنت؟!انطفأت الأنوار بالكامل. ثواني من الصمت مرّت، لكن بعدها بدأ صوت صفارة إنذار حادّة يملأ الممر. كريم صرخ يا فندم! الكل مكانه! محدش يتحرك! أحمد أخرج الكشاف الصغير من جيبه، لكن قبل ما يشغله، سمع صوت الحاجة ليلى متشغلوش النور! أحمد قال بعصبية ليه؟ علشان هو مستني النور. فجأة سمعوا صوت ارتطام قوي في آخر الممر. كريم وجه سلاحه ناحية الصوت. مين هناك؟! جاء صوت رجل أنا مش عدوكم. أحمد صاح اظهر! وببطء ظهر رجل من الظلام. كان في منتصف الخمسينات، وملابسه متسخة بالطين، وفي إيده دفتر قديم. نظر للحاجة ليلى وقال اتأخرتي. ليلى ردت كنت مضطرة. أحمد اقترب منه إنت مين؟ الرجل بص له للحظات، ثم قال أنا أخو محمود. كريم اتصدم أخو محمود؟! بس الحاجة ليلى قالت إن محمود ابنها الوحيد! ليلى أغمضت عينيها. ثم قالت أنا قلت للناس كده… علشان أحميه. أحمد قال يعني محمود عنده أخ؟ الرجل رد عنده أخ… لكن مش بالاسم اللي تعرفوه. ثم فتح الدفتر. ومحمود كان بيحاول يوصل للحقيقة قبل ما يختفي. أحمد مد يده للدفتر، لكن الرجل سحبه بسرعة. مش دلوقتي. ليه؟ لأن في حد برا الغرفة عارف إننا فتحنا الباب. كريم اتجه ناحية الممر. مفيش حد. الرجل ابتسم إنت متأكد؟ في اللحظة دي، سمعوا صوت خطوات فوقهم. خطوة… ثم خطوة… ثم صوت كرسي بيتحرك. أحمد رفع رأسه. في دور تاني فوق السفينة؟ الرجل قال مش دور. ثم أشار للسقف. في غرفة مخفية. كريم قال إزاي