حكايات اماني السيد 2
بصيت للكيس الأسود اللي في إيده، وبعدين رفعت عيني وبصيت في وشه مباشرة. لأول مرة مشايفاش فيه الراجل اللي كنت بترعش من صوته وعصبيته، شفت قدامي شخص مهزوز، بيحاول يستعرض قوته عشان يداري خوفه من الفضيحة ومن القانون اللي بدأ يستوعب إنه مش في صفه.
ش
ضحكت ضحكة خفيفة مستفزة وقفت الكلمات في حلقه، وقلت له بكل برود:
— “تهددني بمين؟ بالبنات؟ البنات اللي لسه شايفين أبوهم وهو بيذلهم قدام الغريب وبيقومهم يخدموا مراته الجديدة؟ تفتكر هما نفسهم هيختاروا يعيشوا مع مين؟ ده إنت حتى اليومين اللي بتجيهم بتقضيهم قالب وشك وبتتخانق على اللقمة!”
وشه اتغير وبدأ يزعق وهو بيقرب مني:
— “أنا أبوهم وليه حق الطاعة عليهم، ومحكمة إيه دي اللي هتاخد منك وقت وفلوس وإنتي يا دوب بتشتغلي موظفة على قدك؟ القرشين دول واللبس اللي في الكيس أهو.. فكري في مصلحة بناتك قبل ما تخسري كل حاجة.”
رمى الكيس على الترابيزة اللي في الصالة بعنف، وفي اللحظة دي الباب بتاع أوضة البنات اتفتح بالراحة، وخرجت بنتي الكبيرة، كانت واقفه بكل شجاعة وعيونها مليانة إصرار، بصت لأبوها وقالت بصوت بترعش بس ثابت:
— “إحنا مش عايزين لبس يا بابا، ومش عايزين نخدم حد.. إحنا عايزين نفضل مع ماما.”
الكلام نزل عليه زي الصاعقة، كبريائه كرجل اتهز تاني مرة وفي بيته، بص للبنت بغل وكان لسه هيتحرك ناحيتها ويتحجج إنه بيربيها، لكن وقفت في وشه وحجزت بينه وبينها وقلت بصوت جهوري هز الحيطة:
— “إيدك متتمدش عليها! خطوتك جوه البيت ده من هنا ورايح بحساب. الكيس ده تاخده في إيدك وإنت خارج، وتوفر القرشين دول عشان تشتري بيهم كوليه جديد للمدام، لأن المحكمة هي اللي هتقول كلمتها في النفقة والمؤخر ومصاريف المدارس اللي كنت بتتهرب منها.”
لما لقى إن لغة التهديد مش جايبة نتيجة، وإن “فوزية” الضعيفة المستسلمة اتمحت تماماً، نبرة صوته اتقسمت وبقت فيها لؤم ومحايلة:
— “يا بنت الناس استهدي بالله، البيوت مبتتخربش كده، أنا عملت إيه يعني؟ اتجوزت على سنة الله ورسوله وده حقي، ومقصرتش معاكي في الشقة والستر. فوزية كانت بتهزر يومها وإنتي اللي كبرتي الموضوع وعملتيلي فضيحة قدام أهلي.. تعالي ارجعي معايا دلوقتي، وهخليها هي بنفسها تعتذر لك.”
— “تعتذر لمين؟” الصوت ده مكانش صوتي أنا.. ده كان صوت والدتي اللي فتحت الباب فجأة بمفتاحها الخاص اللي معاها، ودخلت ومعاها أخويا الكبير.
أخويا دخل وشه مقلوب، وبص لجوزي وقال له:
— “أهلاً يا جوز أختي.. بقالنا سنين بنقول معلش ومستحملين عشان البنات، وسايبين أختي شايلة شيلتك وبتصرف من مرتبها وأنت بتقول معيش، وتاري الخير دافق بره؟ لحد كسر نفس البنات كفاية قوي لحد هنا. اتفضل اخرج بره بيتها، والكلام اللي جاي مش هيبقى معاها.. هيبقى مع المحامي بتاعنا.”
جوزي بص لأخويا ولقى إن الميزان اتقلب تماماً ومبقاش لوحده معايا، أخد الكيس الأسود بنرفزة وهو بيبرطم بكلام مش مفهوم، وبصلي بوعيد أخير وقال:
— “ماشي.. إنتي اللي اخترتي يا فوزية، ومادام دخلتي أهلِك والمحاكم، يبقى مفيش بيني وبينك غير العناد، ووريني بقى هتاخدي مني مليم واحد إزاي!”
رزع الباب وراه وخرج، وأنا قعدت على الكنبة وأخدت نفس طويل قوي، حاسة إن روحي بترجعلي. أمي خدتني في حضنها وأخويا طمن البنات وقالهم محدش هيقدر يقربلكم طول ما أنا عايش.
تاني يوم الصبح، روحت مع المحامي ورفعنا القضايا الرسمية: نفقة زوجية، ونفقة بنين، وتمكين من مسكن الزوجية كحاضنة. المحامي طلب تحريات عن دخله الحقيقي، وقدمنا مفردات مرتبه من الشركة اللي شغال فيها، بالإضافة لإثباتات تانية قدرنا نجمعها عن أملاكه وعربيتة اللي كان كاتبها باسم والدته بس بنستخدمها.
مر أسبوع والتاني، وبدأت الحرب النفسية. جوزي مبقاش يكلمني أنا، بدأ يكلم حماتي عشان تضغط عليا، وفي نفس الوقت عرفت من قرايبه إن مراته الجديدة بدأت تزن عليه وتضايقه لأن الفلوس اللي كان بيبعزقها عليها بدأت تقل بسبب مصاريف المحامين وخوفه من المبالغ اللي ممكن تتحكم عليا بيها.
وفي يوم، وأنا راجعة من الشغل وواخدة البنات في إيدي من المدرسة، لقيت مراته الجديدة “فوزية” واقفة تحت البيت مستنياني.. وشها مكانش فيه الضحكة ولا الثقة بتاعت يوم العزومة، كانت باينة عليها اللهفة والغل في نفس الوقت، وأول ما شافتني قربت مني وقالت:
— “إنتي فاكرة نفسك كده بتلوي دراعه؟ إنتي بتخربي بيتك بإيدك، وعشان تبقي عارفة.. هو قالي إنه مش هيطلقك وهي سيبك معلقة كده لا طايلة سما ولا أرض لو منزلتش القضايا دي!”
وقفت في مكاني وضمت بناتي لضهري تلقائيًا وأنا ببص لها من فوق لتحت. ملامحها اللي كانت يوم العزومة مليانة غطرسة وفخر بالكوليه الذهب، كانت دلوقتي باهتة ومخطوفة، والغل باين في عيونها وهي بتحاول تبان قوية ومسيطرة.
ابتسمت بسخرية وقلت لها بنبرة هادية وثابتة سمعتها هي كويس:
— “تصدقي ضحكتيني؟ تخربي بيتي؟ البيت ده هو اللي خربه بأفعاله وبخله وأنانيته. وبعدين يا شاطرة، الجملتين اللي هو محفظهملك دول مبقوش يأكلوا عيش. يسيبني معلقة؟ خليه يسيبني، المحكمة موجودة وقضية الخلع أو الطلاق للضرر مبتخدش وقت، وفي كلي الحالتين حقوق بناتي محفوظة والنفقة هتدفع غصب عنه بالقانون.”
وشها اتقلب وبدأت تعلي صوتها عشان تلم الجيران في الشارع:
— “انتي فاكرة نفسك إيه؟ فاكرة المحاكم دي هتطبطب عليكي؟ ده جوزي دلوقتي والخير كله معايا أنا، وهو قالي إنه هيسيب الشغل اللي في الشركة ده ويقدم استقالة عشان المحكمة متلاقيش مليم تحجزه من مرتبه، وساعتها مش هتنولي منه ولا نكلة، وهتلفي كعب داير في المحاكم إنتي وبناتك!”
البنات بدأوا يخافوا ويمسكوا في هدومي، فبصيت لها بنظرة حادة خلتها تسكت وتتراجع خطوة لورا، وقلت لها:
— “يستقيل؟ خليه يستقيل ويقعد جنبك في البيت عشان تصرفي عليه إنتي بقى من الذهب اللي اشتراهولك! القانون مش مغفل يا حبيبتي، والتحريات بتجيب الدخل الحقيقي والممتلكات من تحت الأرض. ودلوقتي اتفضلي امشي من هنا، عشان لو مشيتي بكرامتك دلوقتي، أنا ممكن أطلب لك شرطة النجدة بتهمة التعرض ليا ولابناتي في الشارع، والشهود مالين المنطقة.”
لفت وشها بغيظ ورزعت كعب جزمتها في الأرض وهي بتمشي وتبرطم بكلام مش مفهوم. أخدت البنات وطلعت الشقة، وطول الطريق كنت بفكر في كلامها؛ رغم إني بينت لها القوة، بس فكرة إنه ممكن يهرب من الشغل أو يعاند لدرجة تضر البنات تعبتني نفسيًا.
دخلت الشقة وكلمت المحامي بتاعي فورًا وحكيت له على المقابلة وتهديدها بالاستقالة. المحامي ضحك وطمني وقال لي:
— “يا مدام، ده كلام ناس جهلة بالقانون. أولاً، لو استقال هتبقى استقالة كيدية عشان يهرب من النفقة، والمحكمة بتعتد بآخر دخل ليه وبتحكم بناءً عليه. ثانياً، إحنا عملنا استعلام عن حسابه في البنك وعن السجل التجاري بتاع المحل اللي شريك فيه مع ابن عمه من وراكي، وكل الأوراق دي هتقدم في الجلسة الجاية. هما دلوقتي في مرحلة الرفس الأخير لأنهم عرفوا إننا مسكناهم من الإيد اللي بتوجعهم.”
كلام المحامي ريح قلبي ونمت ليلتها وأنا حاسة إن ربنا واقف معايا ومع بناتي.
مر أسبوع كمان، وجيه معاد الجلسة الأولى. روحت مع المحامي وأخويا، وكنت متوقعة أشوفه هناك، لكن المفاجأة إنه محضرش، وحضر مكانه المحامي بتاعه اللي دخل وقدم طلب لتأجيل الجلسة للإعلان وإعادة الدعوى، وحاول يبين للقاضي إن موكلي مستعد للصلح وإن الست هي اللي سابت البيت بدون وجه حق.
المحامي بتاعي وقف بكل قوة وقدم للقاضي حافظة مستندات فيها صور من عقد جوازه الثاني، ومستندات بتثبت دخله الحقيقي ومشاركته في المحل التجاري، وقدم كمان شهادة من المدرسة تفيد إن الأب ممتنع عن دفع مصاريف المدارس بقاله سنتين وإن الأم هي اللي بتدفع من مرتبها. القاضي بص في الأوراق وأجل الجلسة أسبوعين فقط لتقديم المستندات والتحريات النهائية من مباحث الأموال والشرطة عن الدخل.
خرجنا من القاعة وأخويا بيطبطب على كتفي وبيقولي: “خلاص يا حبيبتي، فرج ربنا قريب، والراجل ده هيتربى بالقانون.”
بعد الجلسة بيومين، بدأت نتايج الضغط المادي تبان. كلمتني حماتي في التليفون، وصوتها كان متغير تمامًا، مكانتش بتتكلم بجفاف زي زمان، بل كانت بتعيط وبتقولي:
— “الحقيني يا فوزية.. البيت بيخرب بسبب جوازته السودة دي. الولد من ساعة ما قضايا المحاكم اشتغلت وهو متعصب ليل نهار، ومراته الجديدة لما لقت الفلوس قصرت ومبقاش يشتريلها زي الأول، لمت هدومها وراحت عند أهلها وقالت له مش هترجع إلا لما يكتب لها الشقة باسمها عشان تضمن حقها! هو دلوقتي قاعد عندي ومكسور، وبوس أيدك يا بنتي تنازلي عن القضايا وتعالي ارجعي بيتك والبنات يربوا في وسطكم.”
سكتت لحظة، وافتكرت كل لحظة ذل عشتها معاه، وافتكرت منظر بناتي وهما مكسورين قدام الست دي وهو بيأمرهم يخدموها. وقلت لحماتي بكل حسم:
— “يا طنط، أنا احترمك لسنك، بس ابنك هو اللي اختار طريفه. الشقة اللي مراته الجديدة عايزة تكتبها باسمها دي شقة حضانة بناتي والقانون هيمكني منها خلال أيام. وابنك لو عايز الصلح فعلاً، مش هيستخبى وراكي ويبعتك تتكلمي بداله بعد ما هددني وضيق على بناته في لقمة عيشهم. الكلام دلوقتي مابقاش معايا.. الكلام بقى في المحكمة.”
قفلت السكة، وقبل ما الموبايل ينزل من إيدي، لقيت رسالة جاية لي على الواتساب من رقم غريب.. فتحتها ولقيت فيها صور لجوزي وهو قاعد في كافيه مع مراته الجديدة وأبوها، ومعاهم ورق محامي بيمضوا عليه! وتحت الصور مكتوب رسالة: “أنا مسبتش البيت ولا حاجة يا فوزية، أنا وجوزي بنرتب لك مفاجأة في المحكمة الجلسة الجاية هتخليكي تخسري كل حاجة وتطلعي من المولد بلا حمص.. استني وشوفي هنعمل فيكي إيه.”