حكايات انجى الخطيب 2

، والضربة يا إما تكسرك يا إما تصنع منك جبل.. أنا اخترت أكون الجبل، مش عشان نادية بس.. عشان فيه ضهر علّمني إن الحق ما بيموتش، وإن اللقمة الحرام صاحبها حتى لو كان فاكر نفسه مالك الدنيا.”
القاعة كلها اتصدمت بالتصفيق الحار، وأبويا غمزل عينيه بكل حب ونشوة انتصار.
بعد ما المؤتمر خلص، وأنا بلم أوراقي في كواليس المسرح، المحامي بتاعي قرب مني بهدوء، ومسك في إيده جواب رسمي.

“مدام نادية.. فيه جواب جاي لحضرتك من إدارة سجن طرة.”
وقفت لحظة، النبض زاد ثانية بس ما كانش فيه خوف.. كان فيه مجرد استغراب. فتحت الجواب ورأيت خط كريم.. خط كان بيترعش ومش مستقر.
كاتب فيه جملتين: “نادية.. أنا عرفت من الأخبار إن شركتك بقت الأولى في السوق.. أنا خسرت كل حاجة ومفاضلش معايا غير السجن والندم.. لو فيه أمل تسامحيني، أو تزوريني مرة واحدة بس قبل ما أموت في المكان ده.. أرجوكي.”
طبقت الورقة بهدوء شديد، واديتها للمحامي.
بصلي المحامي باستفسار: “نرد عليه يا فندم؟ أو نحدد ميعاد زيارة؟”
طلعت برة القاعة، كانت العربية مستنيانا، والشمس بتعكس نورها على مباني العاصمة الحديثة.
أبويا فتحلي باب العربية بنفسه، وركب جنبي.

مسكت إيده وقرّبت منها، بستها بحب، وقلت له: “تفتكر الجاي هيكون إيه يا بابا؟”
أبويا حط إيده على راسي، وبص للشارع المفتوح قدامنا وهو بيبتسم برضا تام: “الجاي يا نادية بتاعك أنتِ.. الشارع مفتوح، والرؤية واضحة، ومفيش حد يقدر يوقف ست عرفت قيمتها، وعرفت إزاي تدوس على الوجع وتبني منه مجدها.”
العربية تحركت بينا، وأنا بتطلع من الشباك للسما، حاسة لأول مرة إني مش بس نجيت من كابوس.. أنا بقيت صاحبة الحكاية.
مرّت تلات سنين على اليوم ده.. تلات سنين ما كانش فيهم مكان للندم أو للرجوع لورا.

في صالون بيتنا الجديد، كانت فيه لوحة زيتية كبيرة متعلقة على الحيطة الرئيسية. لوحة لأبويا، ببدلته العسكرية الميرية القديمة، ونظرة عينيه الحادة اللي فيها هيبة وتدفي في نفس الوقت، كأنه لسه واقف يحرسني ويحميني من الدنيا.
أبويا فارق دنيانا بسلام قبل ست شهور. وهو مطمن، بعد ما شاف بنته الوحيدة مش بس وقفت على رجلها، دي بقت رئيسة مجلس إدارة واحدة من أكبر المجموعات الاقتصادية في المنطقة، ومؤسسة “مؤسسة الدسوقي لدعم الشفافية والنزاهة”.
يوم وفاته، ما عيطتش بكاء ضعف. عيطت دموع امتنان للراجل اللي علمني إزاي أكون جبل. افتكرت كلمته الأخيرة لي وهو ماسك إيدي في المستشفى: “أنا ماشي يا نادية وأنا مرتاح.. سايب ورايا جبل، مفيش ريح في الدنيا تقدر تهزه.”
النهارده كان يوم خاص جدًا.. يوم افتتاح الفرع الدولي الجديد للشركة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *