رجل الاعمال

بعد ما الحاجة فاطمة هديت… غطتها سارة كويس. وبعدين بصت لكريم. عينيها مليانة دموع. بس مش دموع ضعف. دموع قهر. قالت: ــ عايز تعرف الدبلة راحت فين؟ فضل ساكت. مسكت شنطتها القماش القديمة. وقالت: ــ اتباعت… علشان تدفع تمن العربية الإسعاف اللي أنقذت حياة والدتك من كام شهر. الصمت رجع يملأ المكان. كريم حس إن الأرض بتميد بيه. سارة كملت: ــ المستشفى طلبت مبلغ مقدم… ووالدتك رفضت تلمس جنيه واحد من الفلوس اللي إنت بتبعتها. كريم بص لأمه. ــ ليه؟ سارة أشارت عليها. ــ اسألها هي. واتحركت ناحية الباب. وقف قدامها. ــ يعني إنتِ اللي بعتي الدبلة؟ هزت راسها. ــ لأ. وصوتها كان بيرتعش. ــ والدتك هي اللي باعتها. بص كريم لأمه. لقاها بتعيط. وقبل ما تخرج… قالت الجملة اللي قلبت حياته كلها: ــ صدقني يا كريم… الدبلة ماكنتش أول حاجة والدتك خسرتها. رفع عينيه ناحيتها. فتحت الباب. وقالت: ــ وماكنتش أغلى حاجة كمان. وسابت البيت… ومشيت.
فضل كريم واقف وسط البيت القديم. البيت اللي طول السنين كان بيقول للناس إنه مأمّن كل احتياجات أمه. ولأول مرة في حياته… خاف بجد. وسأل نفسه… يا ترى أمي خسرت إيه كمان… وأنا كنت مشغول بجري ورا الفلوس والنجاح
سارة فتحت الباب وخرجت في الضباب الخفيف اللي كان مغطي أطراف القرية، وسابت وراها صمت تقيل لدرجة إن صوت عقارب الساعة القديمة المعلقة على الحيطة المتقشرة كان عامل زي دقات الطبول. كريم وقف مكانه، جزمته اللامعة بتدوس على البلاط المحفور والمكسور، وفي إيده مفاتيح عربية بمليون جنيه، كأنها قطعة حديد مالهاش أي تمن قصاد العجز اللي حس بيه لأول مرة في حياته. التفت لأمه ببطء، وعينيه تايهة مش مصدقة.
ــ يا أمي… سارة قصدها إيه بإنك خسرتي حاجات تانية؟ وإيه حكاية الفلوس اللي رفضتي تلمسيها؟
الحاجة فاطمة اتعدلت بصعوبة، وخدت نفس طويل هز صدرها النحيل، وقالت بصوت متهدج، جاف، لكنه بيقطر مرارة:
ــ الفلوس اللي بتبعتها يا كريم… كانت بتيجي على حساب نومي وراحتها. كنت بطلب منك تيجي تزورني، تقول لي «المشروع بيتبنى والصفقة بتقفل». كنت ببعت أقولك إني تعبانة، السكرتيرة كانت بتقولي «الباشا في اجتماع طارئ في دبي أو لندن». وفضلت استناك… لحد ما رجليك نست طريق البيت.

