ضحية الغربة حكايات اماني السيد 4 والاخير
تاني يوم الصبح، وبعد ما اتفقت مع المحامي على كل حاجة، مسكت التليفون واتصلت بيه.
رد بسرعة كأنه كان مستني مكالمتي.
قال بلهفة: “خير يا حبيبتي؟ في جديد؟”
قلتله بصوت كله تردد: “آه… في واحد شاف الأرض وعجبته جدًا، واتفقنا على السعر تقريبًا.”
سمعته يضحك من الفرحة وقال: “الحمد لله… كنت حاسس إن ربنا هيكرمنا.”
سكت شوية، وبعدها كملت وكأني متوترة فعلًا.
“بس في مشكلة.”
قلق وقال: “مشكلة إيه؟”
قلت: “الراجل رافض يحول الفلوس بنك، بيقول هيدفعهم كاش، والمبلغ كبير أوي… وأنا بصراحة خايفة أروح أقابله لوحدي أو أستلم الفلوس لوحدي.”
سكت لحظة، وكأني مستنية منه يقول إنه هيبعت حد من أهله.
لكن اللي قاله أكدلي إنه مش فارق معاه غير الفلوس.
قال بسرعة: “طب خدي أخوكي معاكي.”
قلت: “أخويا مسافر، وبابا تعبان ومش هيقدر يتحرك.”
سكت ثانية، وبعدها قلت الجملة اللي كنت مستنياها من أول ما بدأت الخطة.
“أنا كنت بفكر… ما تيجي إنت؟”
اتفاجئ.
“أنا؟”
قلت بهدوء: “آه… دي فلوسنا إحنا الاتنين، وأنا مش هبقى مطمنة غير وإنت معايا. وبعدين بقالي سنين مستنياك، حتى لو هتقعد يومين بس.”
فضل ساكت كام ثانية.
واضح إنه بيحسبها.
لو جه…
مراته التانية هتعرف.
ولو ماجاش…
ممكن تضيع منه الفلوس اللي بيحلم بيها.
قلت وأنا متعمدة أضغط عليه: “بصراحة أنا قولت للمشتري إني مش هسلمه الأرض ولا هقبض جنيه غير وجوزي واقف جنبي. دي أول مرة أمسك مبلغ كبير بالشكل ده، وأنا بخاف.”
سمعته يتنهد وقال: “طب… اديني يوم أفكر وأشوف ظروفي.”
ابتسمت وأنا عارفة إنه مش بيفكر في ظروف الشغل…
هو بيفكر هيقول إيه لمراته.
قلت بمنتهى البراءة: “خد راحتك، بس الراجل مستعجل، وقال لو اتأخرنا هيشتري أرض تانية.”
الجملة دي عملت مفعولها.
قال بسرعة: “لا… لا، خليه يستنى يومين بس. وأنا هحاول أنزل.”
قفلت المكالمة، وعلى طول كلمت المحامي وحكيتله اللي حصل.
ابتسم وقال: “أنا كنت متأكد إنه هيوافق.”
سألته: “ليه متأكد؟”
قال بثقة: “لأن الطماع عمره ما يسيب الفريسة لما يحس إنها قربت تقع في إيده. ولو نزل مصر بنفسه، يبقى وفر علينا نص الطريق… وساعتها هيبقى لكل حادث حديث.”
تاني يوم من بدري، لقيته هو اللي بيتصل بيا.
رديت بهدوء، لكنه كان واضح من أول كلمة إن دماغه مشغولة.
قال: “أنا حاولت أرتب الدنيا هنا… ولو ربنا سهل، ممكن أنزل آخر الأسبوع.”
اتعمدت أبان فرحانة، وقلت: “بجد؟ يعني هشوفك؟”
ضحك وقال: “طبعًا يا حبيبتي… هو أنا أسيبك في موقف زي ده؟ ده مبلغ كبير، ولازم أبقى جنبك.”
لو كان شايف وشي في اللحظة دي، كان شاف قد إيه كلامه كان بيوجعني.
“لازم أبقى جنبك.”
قالها بعد سنين كان سايبني فيها لوحدي في كل حاجة.
قلتله: “المشتري كلمني امبارح، وقال أول ما يشوفك هيحدد معاد كتابة العقد ويسلمنا العربون، وبعدها باقي الفلوس كاش.”
سألني بسرعة: “هو معاه الفلوس جاهزة؟”
ابتسمت وأنا باصة قدامي.
ولا سأل مين المشتري.
ولا سأل الأرض فين.
ولا حتى سأل العقد هيتم إمتى.
أول سؤال جه في دماغه كان…
“الفلوس جاهزة؟”
قلت: “آه… بيقول جاهز من كل حاجة.”
قال وهو بيحاول يخبي فرحته: “تمام… خليكي متتكلميش معاه كتير لحد ما أوصل.”
“حاضر.”
وقبل ما يقفل، قال: “بالمناسبة… محدش يعرف بموضوع البيع ده، صح؟”
قلت: “لا… حتى أهلي ميعرفوش. أنت أول واحد عرف.”
تنفس براحة، وقال: “كويس… خلي الموضوع بينا لحد ما يخلص.”
قفل المكالمة.
وبعد أقل من ساعة، بعتلي صورة تذكرة الطيران.
كتب تحتها:
“استني جوزك… المرة دي هنبدأ حياة جديدة.”
بصيت للصورة، وبعدها حولتها للمحامي.
رد عليا بعدها بدقايق:
“احتفظي بكل حاجة، ومتنسيش أول ما يوصل تبلغيني.”
قريت الرسالة، وقفلت الموبايل.
وقفت قدام المراية أبص لنفسي.
من كام أسبوع كنت واقفة قدام مراية الفندق في البلد الغريبة، منهارة ومش قادرة أصدق إن الراجل اللي بحبه بيعيش مع ست تانية.
أما النهارده…
فأنا اللي مستنية وصوله.
لكن مش علشان أبدأ معاه حياة جديدة…
أنا مستنية اليوم اللي هتبدأ فيه نهايته معايا، واليوم اللي هيكتشف فيه إن الست اللي كان فاكرها أضعف من إنها تعرف الحقيقة… كانت طول الوقت بتجهزله الحساب، بهدوء، ومن غير ما يحس.
يوم وصوله، صحيت من الفجر. مش علشان كنت متحمسة أشوفه… لكن علشان كنت عارفة إن اليوم ده هيغير حياتي كلها.
لبست بهدوء، واتصلت بالمحامي أطمن إن كل حاجة ماشية زي ما اتفقنا.
قال لي: “خليكي طبيعية، وإوعي تبيني إنك عارفة أي حاجة. خليه هو اللي يطمن.”
بعدها بساعتين، كلمني وقال إنه نزل من الطيارة، وطلب أشوفه في كافيه قريب من المطار.
روحت قبل المعاد بعشر دقايق.
ولما دخل، أول ما شافني فتح دراعاته وهو بيبتسم.
“وحشتيني.”
بصيتله للحظة.
قد إيه الإنسان ممكن يمثل؟
حضنته حضن خفيف، وأنا حاسة إن بيني وبينه عمر كامل، مش مجرد كام أسبوع.
قعد قدامي، وفضل يحكيلي عن تعب الشغل، وضغط الغربة، وقد إيه نفسه يرجع يعيش معايا.
كنت ببصله وأنا فاكرة حضنه لمراته التانية.
لكن ولا كلمة خرجت مني.
بعد شوية قال: “ها… إمتى هنقابل المشتري؟”
ابتسمت وقلت: “مستعجل أوي.”
ضحك وقال: “طبعًا مستعجل… عايزين نخلص ونبدأ المشروع.”
قلت: “كلمته امبارح، وقال هيقابلنا بكرة الصبح في مكتب محاميه، وهيجيب الفلوس معاه.”
هز راسه وهو واضح عليه الارتياح.
وبعدين بص حواليه، وقرب مني وقال بصوت واطي:
“بصي… أول ما نستلم الفلوس، بلاش حد يعرف. حتى أهلك. نحطها في حسابي الأول، وبعدها أبدأ إجراءات المشروع.”
سألته ببراءة:
“طب ما نحطها في حسابي لحد ما تسافر.”
رد بسرعة وكأنه مستعد للإجابة دي من زمان:
“لا… حسابي أسهل في التحويلات الدولية، وهيوفر علينا وقت.”
اكتفيت بهزة رأس.
وقتها رن تليفونه.
بص للشاشة، واتغيرت ملامحه.
قام بسرعة وقال:
“ثانية… ده مدير الشركة.”
ومشي كام خطوة بعيد عني.
لكن اللي ماكنش يعرفه…
إن المكان كان هادي جدًا.
وصوته كان واصل لحد عندي.
سمعته بيقول بنبرة مختلفة تمامًا عن اللي بيكلمني بيها:
“حبيبتي… متقلقيش، يومين وراجع. الموضوع كله مجرد توقيع واستلام فلوس.”
سكت شوية وهو بيسمعها.
وبعدين قال:
“لا طبعًا… مستحيل أشوفها أكتر من اللازم. أول ما أخلص هرجعلك إنتِ وابني.”
قفلت عيني.
حتى وهو قاعد قصادي…
كان بيكذب.
رجع قعد مكانه، وكأنه محصلش حاجة.
ابتسم وقال:
“المدير بيستعجلني أرجع.”
ابتسمت أنا كمان.
وقلت بمنتهى الهدوء:
“ربنا يسهل.”
لكن جوايا…
كنت متأكدة إن المرة دي…
مش هو اللي هيقرر إمتى يرجع.
لأن بكرة…
ماكانش مجرد معاد مع مشتري أرض.
بكرة…
كان اليوم اللي المحامي اختاره علشان تبدأ أول خطوة قانونية لاسترداد حقي، بعد ما ضمن إن كل أوراقه، ورسائله، وكذبه، بقى موثق وجاهز يتحط قدام المحكمة.
دخل المكتب وهو مبتسم، فاكر إنه داخل يخلص إجراءات بيع الأرض ويستلم الفلوس اللي فضل يحلم بيها. أول ما قعد، بدأ يبص حواليه باستغراب، ولما ملقاش أي مشتري، بصلي وقال: “هو الراجل اتأخر ولا إيه؟”
بصيتله بهدوء وقلت: “مفيش مشتري.”
قطب جبينه وقال: “يعني إيه مفيش مشتري؟”
في اللحظة دي، دخل المحامي وقعد قدامنا، وقال بهدوء: “الأستاذة مش جاية تبيع الأرض… الأستاذة جاية تبدأ إجراءات المطالبة بكل حقوقها القانونية.”
بصلي جوزي بصدمة، وضحك ضحكة مرتبكة وقال: “إيه الكلام الفارغ ده؟”
فتحت شنطتي، وطلعت قدامه صورته وهو داخل العمارة حاضن مراته، وصور الرسائل اللي كان بيستعجلني فيها أبيع الأرض وأحول الفلوس على حسابه، وبعدها قلتله وأنا ببص في عينيه: “أنا سافرتلك أعملك مفاجأة… وهناك شفت حياتك الحقيقية، وسمعت كل كلمة قولتها عني وأنا مستخبية تحت الشجرة.”
اختفت الضحكة من على وشه، وحاول ينكر، لكن كل كلمة كان بيقولها كان قدامها دليل يكذبها. وبعد محاولات كتير، خرج من المكتب وهو تايه، ولسه فاكر إنه هيقدر يسيطر على الموضوع زي كل مرة.
لكن المرة دي كانت مختلفة.
المحامي بدأ يرفع الدعاوى ويطالب بكل حقوقي، وفي نفس الوقت اتخذ الإجراءات القانونية اللازمة. وبعد أيام، جوزي نزل مصر تاني علشان يحاول يحل الموضوع قبل ما يكبر، لكنه اتفاجئ وهو في المطار إن عليه إجراءات قضائية لازم يخلصها، ومقدرش يسافر ويرجع لشغله قبل ما يتعامل مع القضايا المرفوعة ضده.
وقتها بدأ يتصل بيا كل يوم، مرة يترجاني أتنازل، ومرة يقولي إنه مستعد يدفع أي مبلغ، ومرة يعدني إنه هيطلق الست التانية ويرجعلي، لكن كل الكلام ده جه بعد ما حس إن الأرض بتتهز تحت رجليه.
أما أنا، فكان ردي في كل مرة واحد:
“أي كلام هيكون بينك وبين المحامي.”
أمي كانت أول واحدة وقفت في ضهري. من يوم ما عرفت الحقيقة، ما سابتنيش لحظة. كانت تروح معايا كل جلسة، وتشد على إيدي كل ما ألاقي نفسي هضعف، وتقوللي: “اللي ضيع من عمرك سنين، لازم يرجعلك حقك.”
وبعد شهور من الجلسات، والأوراق، والتقارير، حكمت المحكمة لصالحي، وأخدت كل حقوقي القانونية كاملة، من مؤخر صداقي، ونفقة العدة، والمتعة، وباقي مستحقاتي، واضطر يسددها كلها علشان يقدر ينهي إجراءاته ويسافر من جديد.
يومها خرجت من المحكمة وأنا ماسكة إيد أمي، وبصيتلها وقلت بابتسامة كلها راحة:
“فاكرة يا أمي الجمعية اللي عملتها في السر علشان أسافر أفاجئه؟”
ابتسمت أمي وهي تربت على كتفي وقالت: “أيوه… فاكراها.”
حضنتها وقلت: “ربنا كتب إن السفر ده يفتح عيني على الحقيقة، وإن الفلوس اللي كنت هضحي بيها عشانه تبقى سبب أرجع بيه حقي وكرامتي.”
ومن يومها، عرفت إن أصعب صدمة ممكن تهد إنسان… لكنها كمان ممكن تكون أول خطوة في طريق ينقذه.
بعد ما خلصت آخر جلسة، خرجت من المحكمة وأنا حاسة إن الحمل اللي كان فوق صدري بقاله سنين بدأ يخف. ماكنتش فرحانة عشان كسبت قض\ية، ولا عشان أخدت فلوس… كنت فرحانة إني أخيرًا بطلت أعيش دور الضحية اللي مستنية حد ينصفها.
عدى كام شهر، وبدأت أبني حياتي من جديد. جزء من الفلوس سددت بيه الديون اللي استلفتها علشان الجمعية والسفر، والجزء التاني حطيته في مشروع صغير كنت بحلم أعمله من زمان، لكن طول عمري كنت بأجل حلمي علشان أحقق أحلامه هو.
الغريب إنه بعد كل اللي حصل، فضل يحاول يرجع يكلمني. مرة يبعت ناس من أهله، ومرة يخلي قرايبنا يتوسطوا، وكلهم يرددوا نفس الجملة:
“سامحيه… الإنسان بيغلط.”
لكن محدش فيهم سألني سؤال واحد…
“وإنتِ… مين هيعوضك عن عمرك؟”
وفي يوم، رن تليفوني من رقم غريب.
رديت، لقيته هو.
صوته كان مكسور لأول مرة.
قال: “أنا خسرت كل حاجة.”
سكت.
كمل وهو بيتنهد:
“مراتي سابتني بعد ما عرفت إني خسرت شغلي، والمشروع اللي كنت بحلم بيه عمره ما اتعمل… وحتى ابني بقى بشوفه في مواعيد محددة.”
سمعته للآخر من غير ما أقاطعه.
وبعدين قال:
“أنا ظلمتك… ولو الزمن رجع بيا، عمري ما كنت هعمل فيكي كده.”
ابتسمت ابتسامة هادئة، وقلت:
“الزمن فعلًا مرجعش… ولو رجع، أنا اللي عمري ما كنت هوافق أتجوز واحد زيك.”
سكت.
واضح إنه كان مستني مني كلمة تفتحله باب الرجوع.
لكن الباب ده كان اتقفل من زمان.
قبل ما أقفل المكالمة، قلتله آخر جملة:
“أنا سامحتك بيني وبين ربنا علشان أعرف أعيش مرتاحة… لكن التسامح عمره ما معناه إنك ترجع لحياتي.”
وقفلت الخط.
حطيت التليفون على الترابيزة، وبصيت من شباك البيت للشمس وهي بتغرب.
افتكرت اليوم اللي وقفت فيه تحت شجرته، منهارة، وحاسة إن حياتي انتهت.
ماكنتش أعرف وقتها…
إن النهاية اللي كنت بعيط عليها…
هتكون في الحقيقة بداية حياة جديدة، أهدى، وأكرم، وأصدق من أي حياة عشتها معاه.


