جوزي طيار

ضربته بخفة على كتفه.
وسبتني أعيش كل التوتر ده؟
ابتسم وقال
لأن دي كانت أول خطوة.
أشار ناحية العلبة اللي معايا.
افتحيها دلوقتي.
فتحت
الغطا ببطء…
لقيت جواها الميدالية، وتحتها مفتاح نحاسي صغير مربوط بشريط أحمر.
كان معاه كارت مكتوب فيه
ده مفتاح المكان اللي بدأنا منه… لكن المرة دي هنرجعله بعد 12 سنة.
رفعت عيني باستغراب.
تقصد إيه؟
ابتسم من غير ما يجاوب.
وفي نفس اللحظة، رن تليفونه.
بص للشاشة، وابتسامته اختفت فجأة.
رد بسرعة، وسمع الطرف التاني ثواني من غير ما ينطق.
ثم قال بصوت منخفض
إزاي؟… إمتى حصل ده؟
وشه اتغير تمامًا.
قفل المكالمة، وبصلي وهو بياخد نفسًا عميقًا.
وقال
واضح إن خطتنا هتتأجل… لأن في حاجة حصلت لازم نروح لها حالًا.
ولأول مرة من بداية الليلة… شفت في عينيه قلقًا حقيقيًا، من غير ما أعرف إيه الخبر اللي قلب كل حاجة اتجمدت مكاني، وأنا ببص في وشه.
قلت بقلق
خير يا شريف… حصل إيه؟
حاول يبتسم، لكن الابتسامة كانت باهتة.
مسك إيدي وقال
متخافيش… محدش حصله حاجة، بس لازم نتحرك بسرعة.
الكلمة الأخيرة طمنتني شوية.
خرجنا من الطيارة، وكان في موظف من المطار واقف مستنينا بعربية كهربائية صغيرة.
أول ما شاف شريف، سلّمه ظرف أبيض مختوم، وقال
زي ما طلبت يا كابتن.
استغربت.
إنت كنت مرتب لكل ده؟
ضحك وقال
آه… لكن المكالمة الأخيرة غيرت ترتيب الأحداث.
ركبنا العربية، وماشيين بين الممرات الهادية للمطار، لحد ما وصلنا لباب جانبي مخصص للعاملين.
أول ما خرجنا، لقيت عربية قديمة واقفة.
عربية!
بصيت لها أكتر، وحسيت إني أعرفها.
قربت منها ببطء… وفجأة شهقت.
دي… دي عربيتنا الأولى!
العربية الزرقا الصغيرة اللي اشتريناها بعد الجواز بشهور، واضطرينا نبيعها وقت ما كان شريف لسه في بداية شغله، عشان نسدد أقساط البيت.
لفيت أبصله، وأنا مش مصدقة.
إنت… رجعتها؟
هز راسه بابتسامة.
فضلت أدور عليها أكتر من سنة… ولما لقيتها، اشتريتها من غير ما أقولك.
لمست باب العربية، وحسيت كأن الزمن رجع بينا.
ركبنا، وكان نفس معطر الجو اللي كنت بحبه معلق في المراية، ونفس الأغنية القديمة شغالة بصوت منخفض.
ضحكت وسط دموعي.
إنت فاكر كل التفاصيل؟
رد وهو بيبص للطريق
في حاجات مينفعش تتنسي.
بعد حوالي عشرين دقيقة، وقف قدام مبنى صغير مطل على النيل.


