سلفتي بتجسس عليا من شباك المنور ج 2 حكـايات مني السيد حصري
الفصل الثالث
مراد لف لشيماء، وعينيه كانت مليانة غضب وكسرة مشافهاش حد فيه من يوم ما دخل البيت. رفع إيده ونزل بقلم على وشها، قلم طرقع في الصالة كلها كأنه رعد شق سكون الشقة. من قوة الضربة، شيماء فقدت توازنها ووقعت على الأرض، إيديها على خدها، وعينيها مبرقة من الصدمة، كأنها مش مستوعبة إن جوزها اللي طول عمره حنين وماشي جنب الحيط ممكن يمد إيده عليها.
— إنتي بتعملي فينا كده ليه؟! بتصغريني؟ بتطلعينا بصاصين وحرامية قدام أخويا ومراته؟!
مراد صرخ بالكلمات دي وهو بيشاور على الموبايل اللي مرمي على الترابيزة، صوته كان مخنوق بالدموع والكسفة.
تامر كان واقف مكانه، الغضب لسه مالي قلبه، بس لما شاف أخوه في الحالة دي، ملامحه لانت شوية، إحساس القهر اللي في عين مراد كان كفيل يطفي نار أي حد. إيلين كمان قلبها وجعها على مراد، الراجل ده طول عمره في حاله، بيخرج لشغله ويرجع لبيته، ملوش في القيل والقال، ذنبه إيه يتفضح الفضيحة دي بسبب غل مراته وفضولها المريض؟
حماها، الحاج محمود، اللي طول عمره راجل هادي وكلمته مسموعة، خبط بعكازه على الأرض جامد وصرخ:
— بس! إياك تمد إيدك عليها تاني في بيتي يا مراد! مهما عملت، الضرب مش هيحل حاجة.. اللي انكسر أكبر من إنه يتصلح بقلم!
### انهيار الأقنعة.. ودموع التماسيح
شيماء لما لقت الحاج محمود بيدافع عن فكرة عدم الضرب، حست إن دي فرصتها عشان تعيش دور الضحية اللي بتتقنه. بدأت تصرخ بصوت عالي وتولول وهي قاعدة على الأرض:
— أيوه اضربني! موتني عشان ترضيهم! هما دايماً الصح وأنا اللي وحشة.. هما دايماً اللي فوق وأنا اللي تحت!
حماتها قربت منها وضربت على صدرها بحسرة:
— يا بنتي حرام عليكي نفسك وعلينا.. تحت إيه وفوق إيه؟ إنتوا الاتنين ولادي، ومفيش حد بيفضل حد على حد.. إنتي اللي عينك دايماً في اللي في إيد غيرك! إيه اللي خلاكي تعملي كده؟ إيه اللي خلاكي تتلصصي على سلفك ومراته؟
شيماء وقفت فجأة، ووشها مليان دموع بس نظرتها كانت كلها غل موجه لإيلين:
— عشان هي دايماً واخدة كل حاجة! من يوم ما دخلت البيت ده وتامر مش مخليها عايزة حاجة.. بيجدد في الشقة، وبيجيبلها، وبيعملها.. وأنا قاعدة في شقتي اللي فرشها داب ومحدش حاسس بيا! كل ما أطلب منك حاجة يا مراد تقولي “الحال ضيق”، بس تامر حاله مش ضيق! تامر معاه يشتري أرض ويبيع صيغة، وأنا حتى مش عارفة أجيب طقم كاسات جديد!
الكلمات نزلت زي المية الساقعة على الكل. التبرير كان أبشع من الذنب نفسه. مراد قعد على كرسي السفرة وحط وشه بين إيديه، حاسس إن رجولته وكرامته انداسوا في الأرض.
* **مراد (بصوت واطي ومقهور):** الفقر فقر النفوس يا شيماء مش الجيوب.. أنا عمري ما قصرت معاكي في لقمة ولا كسوة، بس إنتي عينك فارغة، ومبتملاش عينك غير التراب.. إنتي طالق يا شيماء.. طالق بالتلاتة!
الكلمة طلعت من بق مراد زي الرصاصة. شيماء صرخت صرخة مكتومة وحطت إيدها على بوقها. حماتها شهقت، والحاج محمود قعد على الكنبة وكأنه كبر عشر سنين في لحظة.
إيلين اتنفضت من مكانها. ورغم كل اللي شيماء عملته، إيلين مكنتش عايزة توصل للخراب ده. كانت عايزة تربيها بس، تفهمها إنها كشفتها، بس توصل لخراب بيت وتشريد عيال؟ لأ، ده مكنش في حساباتها أبداً.
### قرار لا رجعة فيه
تامر حط إيده على كتف أخوه عشان يهديه، وبعدين بص لأبوه وأمه وقال بنبرة حاسمة:
— يابا، يا أمي، إنتوا على راسي من فوق، والجزمة اللي بتمشوا بيها أنا أشيلها فوق دماغي.. بس أنا مراتي مش هتقعد في البيت ده يوم واحد كمان. أنا هاخد إيلين ونشوف شقة إيجار بره. أنا مش هأمن على مراتي وعرضي وسري في مكان كل حركة فيه متراقبة، والنهارده موبايل، بكرة منعرفش ممكن يحصل إيه.
* **حماتها (وهي بتبكي):** هتمشي وتكسر ضهري يا تامر؟ هتسيب بيت أبوك عشان خاطر حتة عيلة مريضة؟ أنا هطردها بره البيت، بس إنت خليك في شقتك وحضن أبوك وأمك.
* **تامر:** يا أمي، شيماء أم عيال أخويا، وعمرها ما هتطلع بره العيلة دي عشان خاطر ولادها، وحتى لو طلقها، هتفضل الفجوة موجودة. أنا هبعد عشان نفضل نحب بعض، وعشان مقطعش في لحم أخويا كل ما أبص في وشه.
إيلين مسكت إيد تامر، كانت حاسة بكل كلمة بيقولها. الإحساس بالأمان في شقتها انعدم، وكل زاوية فيها بقت بتفكرها بعينين شيماء اللي كانت بتراقبها في الضلمة.
مراد سحب شيماء من دراعها بعنف، ونزل بيها لشقتهم تحت، وصوت زعيقهم وعياطها فضل مسموع لحد ما باب شقتهم اترزع وراهم. الحاج والحاجة نزلوا شقتهم وهما مكسورين الخاطر، والبيت اللي كان مليان دفا وعزوة، فجأة اتحول لمكان كئيب ريحته كلها فراق وخراب.
### الهدوء الذي يسبق العاصفة
الساعة دقت اتنين بالليل. الشقة كانت هادية هدوء يخوف. تامر كان نايم على السرير من كتر التعب والضغط النفسي، بس إيلين مكنش جايلها نوم. الأفكار كانت بتنهش في دماغها. “هل أنا السبب؟ هل لو كنت سكت وعديت الموضوع كان البيت فضل مقفول على مشاكله؟”
> **صراع داخلي:** أحياناً لما الحق بيظهر، بياخد في طريقه حاجات كتير كنا بنتمنى نفضل متمسكين بيها، بس الجرح عشان ينضف، لازم يتفتح ويتطهر، مهما كان الوجع.
>
إيلين قامت من على السرير بالراحة عشان متصحيش تامر. حست بعطش شديد، فطلعت على المطبخ. نورت النور الصغير اللي فوق الحوض، وبصت على الشباك اللي بيطل على المنور. الشباك كان مقفول، والسلك القديم لسه فيه الحتة المقطوعة اللي شيماء مدت منها المقشة والموبايل.
وقفت قدام الشباك وبصت على المنور الضلمة. حست بقشعريرة بتسري في جسمها. كان لازم تقفل الشق ده بأي حاجة لحد ما يمشوا من الشقة. جابت لزق عريض، وفتحت الشباك الإزاز بالراحة عشان تلزق السلك من بره وجوه.
وهي بتمد إيدها في المسافة الضيقة اللي بين سلك شباكها وشباك شيماء، إيدها خبطت في حاجة غريبة. حاجة محشورة بين الطوب الأحمر في الحيطة اللي فاصلة بين الشقتين، كأن حد زقها جوه الشق ده عشان تستخبى.
### السر الأسود في الشق القديم
فضول إيلين المرة دي هو اللي اتحرك. حاولت تسحب الحاجة دي بإيدها، بس كانت محشورة جامد. جابت سكين رفيعة من درج المطبخ، وبدأت تسلك الحاجة دي من بين الطوب. شوية تراب نزلوا على إيدها، وبعدها، الحاجة دي وقعت في المنور، بس لحسن الحظ وقعت على حرف السور الصغير اللي تحت شباكها على طول.
إيلين مدت إيدها وسحبتها.
كانت “سُرة” صغيرة، عبارة عن حتة قماشة قديمة لونها أسود، ومربوطة بخيط أحمر تخين كذا لفة، وريحتها كانت بشعة.. ريحة كمكمة على حاجة ميتة!
إيلين قلبها بدأ يدق بسرعة رهيبة. إيديها كانت بتترعش وهي بتبص للقماشة. إيه ده؟ ومين حطه هنا في الحتة دي بالذات اللي مفيش حد يقدر يوصلها غيرها أو… شيماء؟!
> **لحظة إدراك مرعبة:** كل المرات اللي إيلين كانت بتشوف فيها خيال شيماء في المنور، وكل المرات اللي كانت بتمد إيدها فيها، مكنتش بس عشان تتجسس أو تشوف إيلين بتعمل إيه.. دي كانت بتيجي تراجع على الحاجة دي، أو بتجددها، أو بتطمن إنها لسه مكانها!
>
بإيدين بترتجف، إيلين جابت مقص وقطعت الخيط الأحمر. فتحت القماشة السودا على رخامة المطبخ، ولما شافت اللي جواها، كتمت صرختها بالعافية وحطت إيدها على بوقها والدموع طفرت من عينيها من شدة الرعب.
جوه القماشة كان في:
* ورقة مطبقة، مكتوب عليها طلاسم وحروف متقطعة بلون أحمر غامق يشبه الدم.
* شعر متلعبك، إيلين عرفته فوراً، ده نفس لون ونوع شعرها اللي كانت بترمي بقاياه في باسكيت الحمام.
* دبابيس مصدية مغروزة في حتة عجينة غريبة.
* والكارثة الأكبر.. صورة فرح إيلين وتامر، بس عيونهم في الصورة كانت مخرومة بالدبابيس، ومكتوب على ظهر الصورة بخط معوج: “الخراب.. الفراق.. العقم”.
إيلين اتسمرت مكانها. الرؤية زغلت في عينيها، وحست إن المطبخ بيضيق عليها. “العقم”؟! ده السر اللي إيلين وتامر مخبينه بقالهم تلات سنين ومحدش في البيت يعرفه.. إنهم بيتعالجوا عشان يخلفوا ومفيش فايدة والدكاترة بيقولوا مفيش سبب طبي يمنع!
إيلين دلوقتي فهمت كل حاجة. شيماء مكنتش مجرد جارة فضولية أو سلفة غيورة ومريضة بالتلصص. شيماء كانت شيطان عايش معاهم في نفس البيت، بتمثل الطيبة والمحبة الصبح، وبالليل بتدفنلهم أعمال وسحر عشان تخرب بيتهم وتمنع عنهم الخلفة!
كل مرة شيماء كانت بتمد راسها من الشباك، كانت بتستمتع برؤية الخراب اللي بتعمله ببطء في حياة إيلين وتامر. ولما شكت إنهم ممكن يكون معاهم فلوس وبيخططوا يمشوا، اتجننت وحبت تصور عشان تتأكد هما بيفكروا في إيه.
إيلين رجعت خطوتين لورا، مش قادرة تاخد نفسها، وفجأة، سمعت صوت تامر من وراها بيزعق بصوت مرعوب:
— إيلين!! إيه اللي في إيدك ده؟!
لفت إيلين وشها لتامر، ودموعها نازلة زي الشلال، وشاورتله على الرخامة وهي بتشهق من البكا. تامر قرب، ولما عينيه وقعت على السحر والصورة، ملامحه اتحولت من راجل هادي لواحد مستعد يقتل.
بس قبل ما تامر ينطق بحرف، سمعوا الاتنين صوت همس جاي من المنور.. همس مخيف، وصوت ضحكة مكتومة جاية من شباك شيماء اللي كان المفروض مقفول!
#حكايات_مني_السيـد

