حماتي اخدت

حماتي اخدت علبة أكل جوزي اللي كنت محضراله فيها لحمة ورز وخضار علشان يقدر يكمل يومه في الورشة. وادته لابنها المتدلع بحجة إنه ما فطرش. وجوزي اشتغل 8 ساعات على معدة فاضية. ولما جت امبارح تاخد عربيتنا وتديها لنفس العاطل، سحبت الورق من ايدها قبل ما تمضي عليه الكدبة سحبته منها في آخر لحظة.
أكلي فين؟
دي كانت أول جملة قالها أحمد لما اتصل بيا من الشغل.
ماكانش صوته غاضب.
كان مرهق.
وده وجعني أكتر.
كنت قاعدة في المكتب وسط فواتير متكومة.
وفنجان القهوة برد جنبي من زمان.
لكن أول ما سمعت نبرته
عرفت إن في حاجة حصلت.
قلت
يعني إيه أكلك فين؟
قال
علبة الأكل يا هبة. اللي فيها الستيك والأرز والخضار. سيبتها على المكتب وأنا بصلح عربية.
قلبي اتقبض.
أنا كل ليلة كنت بحضرله أكله.
مش علشان واجب.
علشان بحبه.
أحمد شغال ميكانيكي.
شغلانة الحر فيها يخنق.
والزيت يدخل تحت الضوافر.
والرجالة تاكل واقفة وسط الشغل.
علشان كده كنت بحرص يبقى معاه أكل محترم.
لحمة.
رز.
خضار.
عيش.
وأوقات قطعة كيك لو قبض.
قلت
دورت في التلاجة؟

قال
دورت.
وسكت شوية.
وبعدين قال
أمي عدت الورشة النهارده.
قفلت عيني.
عرفت.
مع حماتي الحاجة فوزية ما كنتش محتاجة دليل.
اسمها لوحده كان كفاية.
قلت
وبعدين؟
تنهد.
وقال
قالت إنها شافت علبة الأكل وإن
أخويا كريم ما فطرش.
اتجمدت.
أخدت أكلك؟
قالت إني راجل كبير وأقدر أشتري أي حاجة من الكافتيريا.
بصيت للساعة.
كانت 3 العصر.
قلت
أحمد إنت أكلت حاجة؟
ضحك ضحكة مكسورة.
وقال
قهوة من الماكينة.
الغضب طلع لحد زوري.
الموضوع ماكانش علبة أكل.
ولا حتى اللحمة.
كان 5 سنين من الاستغلال.
5 سنين وأنا بشوف جوزي يدفع فواتير مش بتاعته.
ويصلح حاجات في بيت أمه.
ويسلف أخوه فلوس.
ويساعدهم في كل أزمة.
وفي الآخر يسمع
إنت تستحمل يا أحمد. أخوك حساس.
حساس.
أما الأخ المدلل كريم
عنده 30 سنة.
ولحية متظبطة.
وكوتشي جديد كل شهر.
ومعجزة نادرة في إنه عمره ما يلاقي شغل.
دايمًا مستني فرصة.
أو صفقة.
أو مكالمة.
لكن للخروجات والسهرات؟
كان دايمًا جاهز.
قلت
أنا جاية الورشة.
رد بسرعة
لا يا هبة. ما تعمليش مشكلة.
قلت
مش هعمل مشكلة.
وكنت بكذب.
لما وصلت
لقيت أحمد واقف جنب عربية قديمة.
هدومه كلها عرق.
وشه شاحب.
وشفايفه ناشفة.
أول ما شافني حاول يبتسم.
وقال
مش مستاهلة يا حبيبتي.
ناولته سندوتشات وعصير كنت اشتريتهم في الطريق.
وقلت
كُل.
وبينما هو بيأكل
فتحت إنستجرام.
ولقيت ستوري منزّلها كريم.
صورة لسفرة.
ومكتوب عليها
تسلم إيدك يا أمي دي عيشة الملوك.
وفي الصورة
كان واضح جدًا.
اللحمة.
والرز.
والخضار.
أكل جوزي.
وفي الخلفية
علبة بيرة.
الساعة 3 ونص العصر.
وريت الصورة لأحمد.
وشفت حاجة انكسرت جواه.
مش غضب.
كرامة.
قال بهدوء
سيبي الموضوع.
قلت
لأ.
دي أمي.
وإنت جوزي.
في الليل
الحاجة فوزية اتصلت.
وأحمد فتح السماعة.
قالت أول ما رد
لسه زعلان علشان الأكل يا أحمد؟ ما تبقاش حساس. أخوك كان هيموت من الجوع.
خدت الموبايل منه.
وقلت
الأكل كان بتاع أحمد.
سكتت.
وبعدين ضحكت.
الضحكة اللي كنت بكرهها.
وقالت
يا هبة ما تكبريش الموضوع. الأكل موجود كل يوم.
قلت
آه. علشان أنا اللي بشتريه. وأنا اللي بطبخه. وأنا اللي بحضره.
ردت ببرود
طبيعي. ده دور الزوجة.
بصيت لأحمد.
وحسيت إن في حاجة اتكسرت نهائي.
قلت
أنا مرات أحمد مش خدامة كريم.
صوتها اتغير فورًا.
وقالت
خلي بالك وإنتِ بتتكلمي عن ابني.
قلت
أي ابن؟ اللي سبتِه يشتغل من غير أكل؟
وقفلت في وشي.
تاني يوم بعتت في جروب العيلة
مؤسف لما زوجة تفرق بين الإخوات علشان علبة أكل.
علبة أكل.
بس.
كأنها نسيت كل حاجة أحمد عملها.
كل فاتورة دفعها.
كل قرض سدده.
كل مرة أنقذ كريم من نفسه.
ولما اشترينا عربيتنا أخيرًا
بدأت عينيها تلمع.
عربية نص نقل رمادي.
أحمد دفع جزء من ثمنها.
وأنا دفعت الباقي من تحويشة سنين.
والعقد باسمي علشان سجلي الائتماني أحسن.
ومن يومها بدأت حماتي تلمّح
سلفوا العربية لكريم.
وبعدين
يديها
له يومين.
وبعدين
إنتوا أنانيين.
لحد ما قالتها بصراحة في عزومة عائلية
العربية دي هتفيد كريم أكتر منكم.
ضحكت يومها.
افتكرتها نكتة.
لكن محدش ضحك.
حتى كريم نفسه ما أنكرش.
وأحمد قال
لأ يا أمي. العربية بتاعتنا.
فوزية بصتله وقالت
كل اللي عندك ملك للعيلة.
رديت عليها وقتها
لأ. اللي عندنا ملكنا إحنا.
ومن يومها وهي شايلة مني.
لحد امبارح.
كانت الساعة 7 بالليل.
والمطر نازل بغزارة.
وأحمد لسه في الشغل.
وفجأة الجرس رن.
فتحت الكاميرا.
لقيت الحاجة فوزية.
ووراها كريم.
فتحت الباب بالسلسلة.
وقلت
خير؟
ما سلمتش حتى.
لمحة نيوز

وقالت
جايين ناخد ورق العربية.
اتصدمت.
ورق إيه؟
كريم حط إيده في جيبه وقال بثقة
أحمد موافق. فاضل توقيعك بس.
ورفعت حماتي ملف أزرق.
وقالت
هننقل الملكية الليلة.
ضحكت.
ضحكة ناشفة.
وقلت
أحمد موافق؟
قالت
طبعًا.
وفي اللحظة دي
اتصلت بأحمد.
وحطيتها على السماعة.
أول ما فهم الموضوع صرخ
ما تديهمش أي حاجة يا هبة!
وشه حماتي اتغير فورًا.
عرفت إنها اتكشفت.
وقالت بعصبية
إنتِ هتمضي.
قلت
لأ.
العربية لابني.
العربية ليا ولجوزي.
أحمد هيختار عيلته.
اتقدمت خطوة.
وبصيت في عينيها.
وقلت
أنا عيلته.
ضحك كريم وقال
لحد ما يطلقك.
الحاجة فوزية ما سكتتوش.
وده كان كفاية بالنسبة لي.
دخلت الأوضة.
وجبت الملف الأسود.
اللي
فيه كل الأوراق الأصلية.
أول ما شافوه
وقفوا.
وكريم ابتسم.
كأنه كسب.
طلعت الرخصة.
وعقد الملكية.
وإيصالات السداد.
مدت حماتي إيديها تاخدهم.
لكن سحبت الورق بعيد قبل ما تلمسه.
وقلت
على جث..تي.
وشها احمر من الغضب.
وقالت
هاتي الورق!
قلت
اطلعوا برا
بيتي.
مش قبل ما ناخد العربية.
يبقى هتطلعوا من غير العربية ومن غير كرامة

كمان.
كريم اتحرك ناحيتي.
فرفعت موبايلي.
وقلت
أنا متصلة بالشرطة.
كانت كدبة.
لكنها وقفته مكانه.
الحاجة فوزية ابتسمت فجأة.
ابتسامة خوفتني أكتر من صريخها.
وقالت
إنتِ فاكرة إن الموضوع موضوع عربية؟
الدم برد في عروقي.
وسألتها
أمال موضوع إيه؟
الحاجة فوزية ابتسمت الابتسامة الباردة اللي كنت بكرهها.
وقالت
إنتِ فاكرة إن الموضوع موضوع عربية؟
حسيت قلبي بيدق أسرع.
أمال موضوع إيه؟
بصتلي نظرة طويلة.
وبعدين قالت
أحمد نفسه.
سكت المكان كله.
حتى كريم بطل يتكلم.
وأول مرة لاحظت إنه متوتر.
قلت بحدة
مش فاهمة.
ردت
من يوم ما اتجوزك، وأحمد بقى بعيد عن عيلته.
ضحكت بسخرية.
بعيد؟ أحمد بيدفع فواتيركم لحد النهارده.
لا، زمان كان بيدفع أكتر.
يعني
المشكلة إن مصدر الفلوس وقف؟
وشها احمر.
وقالت
إنتِ اللي غيرتيه.
في اللحظة دي أحمد وصل.
كان واقف عند باب العمارة.
هدومه كلها مبلولة من المطر.
لكن أول ما شاف أمه وأخوه واقفين عند الباب، فهم كل حاجة.
طلع بسرعة.
ودخل الشقة.
وبص لأمه وقال
إنتِ لسه هنا؟
فوزية حاولت تغير نبرتها فورًا.
يا حبيبي إحنا جايين نتفاهم.
بعد ما كذبتي على مراتي؟
سكتت.
فكمل
قولتي إني موافق أتنازل عن العربية؟
كريم حاول يتدخل.
يا أحمد متكبرش الموضوع.
لف ناحيته.
إنت آخر واحد يتكلم عن الموضوع ده.
أول مرة أشوف أحمد بالشكل ده.
هادئ.
لكن حاسم.
وقال
خمس سنين وأنا بساعدك.
كل ما تقع أقف جنبك.
كل ما تتزنق أسدد.
كل ما تعمل مشكلة أصلحها.
وفي الآخر سرقت أكلي؟
كريم ضحك باستخفاف.
علشان علبة رز؟
هنا أحمد قرب منه خطوة.
وقال
لا.
مش علشان علبة رز.
علشان عمري كله.
علشان كل مرة اعتبرت تعبي حق مكتسب ليك.
علشان أمي عمرها ما طلبت منك تتحمل مسؤولية نفسك.
الحاجة فوزية بدأت تعيط.
النوع اللي كانت دايمًا تستخدمه لما الأمور تخرج من إيدها.
أنا أمك يا أحمد.
بصلها.
والحزن ظهر في عينه أكتر من الغضب.
وعلشان إنتِ أمي سكت سنين.
لكن السكوت ده أذاني.
وأذاكي.
وأذى كريم نفسه.
كريم صرخ
يعني أنا السبب؟
رد أحمد فورًا
لأ.
السبب إن محدش قالك لأ.
الصمت نزل على المكان.
وأنا لأول مرة أشوف كريم مش لاقي رد.
أحمد مد إيده ناحية الباب.
وقال بهدوء
العربية مش هتطلع من هنا.
ولا جنيه هيطلع من هنا.
ولا ورقة هتتوقع من هنا.
ومن النهارده أي مساعدة هتكون باختياري أنا.
مش بالأمر.
ولا بالابتزاز.
ولا بكلمة إنت أخوه.
الحاجة فوزية بصتله بصدمة.
كأنها أول مرة تشوف ابنها راجل مستقل.
وقفت ببطء.
ولمت شنطتها.
وقالت
واضح إن مراتك نجحت.
أحمد هز رأسه.
لأ يا أمي.
مراتي ما غيرتنيش.
مراتي بس خلتني أشوف الحقيقة.
الحقيقة اللي كنت بهرب منها سنين.
مسكت إيده.
وحسيت إنه لأول مرة من وقت طويل واقف مستقيم من غير حمل فوق كتفه.
فوزية خرجت.
وكريم خرج وراها من غير كلمة.
ولما الباب اتقفل أخيرًا
قعد أحمد على الكنبة.
وسند رأسه على الحيطة.
كأنه خلص معركة طويلة جدًا.
قعدت جنبه.
وقلت
زعلان؟
ابتسم ابتسامة صغيرة.
وقال
شوية.
سكت لحظة.
وبعدين ضحك.
بس متأكد إن بكرة هبقى أحسن.
بصيتله.
تعرف إيه أكتر حاجة مزعلاني؟
إيه؟
قلت
الستيك اللي تعبت فيه ساعتين راح لكريم.
ضحك لأول مرة من قلبه.
وقال
ولا يهمك.
نعمل واحد أحسن منه.
قمت ناحية المطبخ.
وأنا بسمعه بينادي
هبة؟
نعم؟
شكرًا.
ابتسمت.
لأن المشكلة عمرها ما كانت عربية.
ولا علبة أكل.
المشكلة كانت إن راجل طيب جدًا فضل سنين يدي من حقه علشان يرضي ناس عمرهم ما اكتفوا.
وفي الليلة دي
أخيرًا اتعلم إن الطيبة حاجة جميلة.
لكن من غير حدود
بتتحول لاستغلال.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *